تقرير – محاضرة بعنوان: فرادة التّجربة الدّيمقراطيّة التّونسيّة

محاضرة بعنوان فرادة التّجربة الدّيمقراطيّة التّونسيّة يلقيها الدّكتور صفوان المصري نائب رئيس جامعة كولومبيا التنفيذي للتنمية العالميّة ومدير مركز جامعة كولومبيا الشّرق أوسطي للأبحاث

يوم الثلاثاء 17 أفريل 2018 بمركز مداد

 

دعا مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة الدّكتور صفوان المصري لإلقاء محاضرة بعنوان فُرادة التجربة الدّيمقراطيّة التّونسيّة وذلك يوم الثلاثاء 17 أفريل 2018 بمقر مداد. أدار الحوار الإعلامي كمال بن يونس وحضر فيه السيد مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي  وعدد من النواب بمجلس الشّعب إلى جانب مجموعة من النّاشطين في المجتمع المدني.

بعد التّرحيب بالحضور الكريم، أكّد السيد كمال بن يونس على أنّ التّجربة التونسيّة تجربة فريدة من نوعها بمفهوم أنّها استطاعت إرساء نظام ديمقراطيّ متميّز إلّا أن ذلك لم يكن مُتاحا بالنّسبة لبقيّة الدّول العربيّة لعدم مرورها بسنوات التنوير والإصلاح والنّهضة كإصلاح التعليم والمجال الحقوقي الذي قامت به تونس فيما بعد الاستقلال.

 

ابتدأ الدّكتور صفوان المصري بالتعبير عن سعادته لتواجده في تونس معتبرا أنّ دراسته للتجربة الدّيمقراطيّة التونسيّة لا تعني أنّه هو من اختار الموضوع وإنّما تونس هي التي اختارته على حدّ تعبيره وذلك بعد تأسيس مكتب بحثي بتونس سنة 2016. أكّد السيد المصري على أنّ اختلاف تونس عن بقيّة البلدان العربيّة التي قامت بثورات كمصر وسوريا واليمن، والاستمرار في محاولة إنجاح المسار الانتقالي هو الّذي دفعه إلى تناول هاته التجربة بحثيّا. كما اعتبر أنّ لتونس خصوصيّات وأنّ كلمة “Anomaly” تعني شيئا مختلفا وليس بالضّرورة شيئا إيجابيا أو سلبيا. واستعمال عبارة “Anomaly” متأتٍّ من سببين. أوّلهما أنّ تونس مختلفة تماما عن باقي الدّول وثانيها أنّه من المفارقة التفكير في تونس وتجربتها وهي بلا شكّ بلد عربي. شدّد السيد المصري على أنّه يتناول موضوع التجربة الدّيمقراطيّة التونسيّة بمعدّل مرتين أو ثلاثة أسبوعيا حيث تبيّن انّ العالم الغربي لا يعلم الكثير عن التجربة التونسيّة إلى جانب الضّغوطات التي تمرّ بها الدّيمقراطيّة. بالإضافة إلى ذلك وجود سوء فهم لمعنى الدّيمقراطيّة والتفريق بين الدّيمقراطيّة السياسيّة و ديمقراطيّة التفكير وديمقراطيّة الحقوق. وأكّد السيد المصري على وجود العديد من العوامل الّتي ساعدت تونس على أن تكون بلدا فريدا من نوعه. أوّلا: موقعها الجيوسياسي. فهي دولة صغيرة تقع على البحر الأبيض المتوسّط وبعيدة عن مركز المشاكل العربيّة، لا يوجد بها نفط، ذات حدود لا تختلف كثيرا عن الحدود التي كانت موجودة قبل ما تتكوّن في شكل دولة. كما أنّ تهميشها خلال الحرب الباردة حيث لم تساهم سواء بالقرب من روسيا أو من إسرائيل ساهم في حمايتها لصغر حجمها ولانخفاض مواردها.

 

ومن العوامل الهامّة التي لها علاقة بعمليّة الإصلاح التي انطلقت منذ القرن 19 ولها خلفيّة بالنسبة إلى التاريخ التونسي ما قبل الإسلام والتاريخ التونسي ما بعد الإسلام. أوّلا، تصحيح الوعي المجتمعي بحقوق المرأة وإعطاءها المكانة الحيويّة في المجتمع والأسرة وإصدار مجلّة الأحوال الشّخصيّة. ثانيا، الإصلاح الدّيني والاعتماد على الخلفيّة الدّينيّة الّتي تكوّنت منذ القرن 7 و انتشار المذهب المالكي. وأشار إلى أنّ أهمّ نقطة في هذا المستوى تتمثّل في الإصلاحات التي تمّت خلال القرن 19 والتواصل والتفاعل الّذي حصل داخل وخارج الزّيتونة. مثال دور خير الدّين باشا الدّيني وتكوينه للمدرسة الصادقيّة. وكذلك محمد السنوسي الّذي كان له تأثير داخل وخارج الزّيتونة وغيرهم من المفكّرين أمثال الطّاهر والفاضل بن عاشور والطّاهر الحدّاد، الّذين لعبوا دورا هامّا في الإصلاح الدّيني. وما حصل في تونس هو عكس ما حصل في مصر حيث أنّ عملية الإصلاح التي قام بها جمال الأفغاني ومحمد عبده و كانت خارج جامع الازهر ممّا أنتج عددا من العلمانيين كسعد زغلول. وقد أثبت المجتمع التونسي التسامح التوأمي؟؟ والتعايش بين الدّين والعلمانيّة تجلّى في قبول الدّين للعلمانيّة وقبول الدّولة للدّين. وفي سياق محاضرته، شدّد السيد المصري على أنّ العامل الأوّل والعامل الثّاني مترابطان فالثعالبي والحدّاد كتبا عن مكانة المرأة ودافعا عن حقوقها. ثالثا، اصلاح التعليم وتركيز الرئيس السّابق الحبيب بورقيبة على دور التعليم في النّهوض بالمجتمع التونسي فيما بعد الاستقلال، إلى جانب مجموعة من الأساتذة مثل محمود المسعدي ومحمد الشّرفي. أكّد السيد المصري على أنّ العمليّة الاصلاحيّة لقطاع التعليم لم تنطلق مع فترة رئاسة الحبيب بورقيبة وإنّما قبل ذلك (المدرسة الصّادقيّة والجمعيّة الخلدونيّة). وتعتبر التجربة التونسية مختلفة عن بقية الدّول العربية لأنّه تمّت، منذ الاستقلال، المراهنة على قطاع التعليم ممّا كوّن ثقة لدى التونسيين في إمكانيّة الوصول إلى غد أفضل. وأشار إلى أنّ أعضاء الحزب الحرّ الدّستوري كانوا دارسين ومثقّفين. كما نوّه بأنّ إصرار الحبيب بورقيبة على الإبقاء على اللغة الفرنسيّة إلى جانب اللغة العربيّة لعدم وجود أساتذة تونسيين خلال الستينات إلى حدود 20 سنة تلت الاستقلال. فأبقى على الأساتذة الفرنسيين حتّى يتدرّب التونسيون.  كما أنّ ثنائيّة اللغة ساعدت على تطوّر التعليم وبعث الثّقة في صفوف المواطنين. كانت المناهج التعليميّة في تونس متنوّعة شملت حتى الفلسفة وهو غير مسموح به في البلدان العربية على خلاف بعض المدارس بلبنان. ممّا ساعد التونسي على أن يكون شخصيّة تقبل التعدّد والتنوّع والاختلاف.  على خلاف الدّول العربية الأخرى التي ظلّت قياداتها تثبت قوّة حكمها وتركّز على هويّة أوطانها التي لم توجد إلى حدّ اليوم على حدّ تعبيره. أمّا تونس فقد كان وطنا بهويّة منذ ما قبل القرن 19 ينتظر تكوين دولة مستقلّة.

 

رابعا، نوعيّة المجتمع المدني التونسي مختلفة تماما عن المجتمعات المدنيّة الموجودة في باقي البلدان العربيّة فهو قويّ ومؤثّر جدّا وبالخصوص دور الاتحادات والنّقابات. فالاتّحاد العامّ التونسي للشّغل كان له دور مهمّ في الإصلاح والتغيير الاجتماعي.

خامسا، الإسلام السياسي وتجربة حركة النّهضة التي تعتبر حركة دينيّة مختلفة عن الاخوان المسلمين وبالتالي فالّذي يحدث سياسيّا اليوم من تواقف بين النهضة والنّداء هو سيناريو تونسي بامتياز.

وعقّب السيّد كمال بن يونس مشدّدا على أنّ التونسيين معتزّون بفكرة التنوير والإصلاح ولكنّ تميّز تونس عن باقي الدّول العربيّة لا يعني نفي الحركات التنويريّة والاصلاحيّة التي حصلت في الشرق. إذ يوجد محمود شلتوت وغيره من المفكّرين الّذين قدّموا الاجتهادات إلّا أنّ الفكر الوهّابي سيطر على جامع الأزهر وجامعة الزيتونة وصار العالم الإسلامي يعاني من الثنائيّة الدّينيّة.

تفاعل الدّكتور صفوان المصري مؤكّدا على أنّ تناوله بالدّراسة للتجربة الدّيمقراطيّة التونسيّة لا يعني السّقوط في فخّ الاستثناء وإنّما هو اختيار بحثي أكاديمي فرضه الواقع كما أنّه تمّ التطرّق إلى أنّ لبنان هو استثناء ثان في العالم العربي. كما أشار إلى أنّ كلّ دولة تختلف عن باقي الدّول على مستوى النّجاحات والاخفاقات وطريقة التفكير في الإصلاح، إلّا أنّ تونس تتميّز بشموليّة العوامل الموجودة فيها.

خلال النّقاش، أشار السيد مصطفى بن جعفر إلى أنّ التركيز على الجانب الثّقافي ودوره مهمّ في التجربة التونسيّة ولكن يجب ذكر العديد من المناضلين الّذين ساهموا  في الإصلاح إلى جانب الحبيب بورقيبة على مرّ التاريخ وشكّلوا الثورة المضادّة خلال فترة الاستعمار وهيمنة الحزب الواحد، أمثال المناضل فرحات حشّاد الّذي قاد الثورة التونسية لمّا كانت القيادات السياسيّة وراء القضبان. أيضا المناضل أحمد المستيري الّذي شكّل حركة الدّيمقراطيين الإشتراكيين وكان أوّل من نادى بالدّيمقراطيّة والحريات. ذكر أيضا دور رابطة حقوق الإنسان التي دافعت على حقوق كلّ التونسيين بما فيهم الإسلاميين. وفي الأخير تعرّض إلى حركة 18 أكتوبر 2005 التي لم تكن تجربة وقتيّة بل كانت تجربة سياسيّة نضاليّة قد تكوّنت على مرّ العديد من السنين.  كما تساءل أحد الحاضرين عن مؤاخذات الدّكتور صفوان المصري على التجربة الدّيمقراطيّة في تونس. في حين تساءل البعض الآخر عن دور التدخل الأجنبي في نجاح أو فشل الانتقال الدّيمقراطي. أشار أحد المتدخّلين إلى أنّ الدّيمقراطيّة في تونس تعتبر دكتاتوريّة نوعا ما (قُل ما تشاء وسأفعل ما أشاء).

 

خلال التّفاعل، أكّد الدّكتور صفوان المصري على أنّ الربيع العربي ليس عربيّا وإنّما محلّيا انطلق من دوافع محلّية بحتة تختلف من بلد إلى آخر إلّا أنّه توجد عوامل مشتركة كالبحث عن الحرية والكرامة وتغيير الأنظمة الدّكتاتوريّة. كما أنّ الّذين قاموا بالثورات لم يُنادوا بالعروبة والإسلام. فيما يتعلّق بالتعليم شدّد على أنّ مواجهة التيار المحافظ المغلق السياسي الإسلامي هو أصعب مشكلة يمكن أن تواجه المصلحين وبالتالي يتمّ التركيز على البنية التحتيّة ويُؤجّل اصلاح المناهج خوفا من اتّهامهم بأنّهم ضدّ الدّين الإسلامي. وبالتالي يمكن القول على أنّ عملية الإصلاح التعليمي تتطلّب إرادة وقوّة سياسيّة.  وفيما يخصّ العوائق التي يمكن أن تتعرّض لها الدّيمقراطيّة التونسيّة هي الآتية. أوّلا، طول فترة الانتقال الدّيمقراطي ونفاذ صبر المجموعة الوطنيّة. ثانيا، تدهور الوضع الاقتصادي حيث أنّ الّذي أدّى إلى هذا الوضع هو التدخّل الأجنبي وغياب الدّعم والتشجيع على الاستثمار. فقد فشلت المنظّمات الدّولية عند إعلان تونس معجزة اقتصاديّة سنة 1990 على أساس أنّ معدّل النموّ بلغ 5% في حين أنّ 80% من النموّ كان مركّزا في تونس العاصمة في ظلّ غياب العدالة الجهويّة. ثالثا، ضغط الدّول الأخرى الرّافضة للثّورة التونسيّة والخوف من انتشار الإسلام السياسي. رابعا، توافق حزبين سياسيين من دون إفساح المجال للأحزاب الأخرى للمساهمة في صناعة القرار يمكن أن يدفع بتصدّر شخصيات سياسيّة غير معروفة خلال الانتخابات البلديّة القادمة.  أكّد السيد المصري على أنّه لا يمكن أن تصير تونس بلدا دكتاتوريّا مرة أخرى نظرا للنّضوج المجتمعي ودرجة الوعي التي تحلّى بها المجتمع التونسي.  وفيما يتعلّق بالاتّحاد العام التونسي للشّغل، أكّد على أنّه وفّر للتونسيين قبل الثورة النّضج السياسي والوصول إلى التوافق حول أولويّة المصلحة الوطنيّة بوجود المناضلين فرحات حشاد والفاضل بن عاشور. وعلى المستوى السياسي، نوّه بأنّ الجيش التونسي لعب دورا هامّا في الثورة إذ كان جيشا جمهوريّا غير مسيّس لم يوجّه سلاحه إلى المواطنين. كما أنّه من الملاحظ انعدام حالة رضا عن النّفس بين التونسيين  فهو يطمح لمستقبل أفضل. وفي هذا السياق، توجّه إلى الحضور مؤكّدا على إمكانيّة تأزّم الوضع التونسي أكثر فأكثر خلال فترة الانتقال الدّيمقراطي لكّنها بعد ذلك متجهة نحو الانفراج وهذا يتعلّق بإرادة التونسيين ومدى رغبتهم في الوصول إلى برّ الأمان. صرّح السيد المصري بأنّ تونس ألطف بلد  في إفريقيا والعالم العربي وأنّها تتأهّب لاحتلال المرتبة الأولى كديمقراطيّة ناجحة في المنطقة بعد تراجع كلّ من إسرائيل وتركيا.

 

 

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تقرير – ندوة حول: أيّ دور للأشخاص ذوي الإعاقة في الانتخابات البلديّة؟

نظّم مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة ندوة بعنوان أيّ دور للأشخاص ذوي الإعاقة في الانتخابات البلديّة، ...