تقرير – ندوة حول الانتخابات المحلية وتأثيرها على الانتقال الدّيمقراطي

نطّم مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة ندوة حول الانتخابات المحلية وتأثيرها على الانتقال الدّيمقراطي، وذلك يوم الخميس 8 فيفري 2018 بمقر المركز بمونبليزير بتونس العاصمة. وقد أثّث الندوة التي أدارها الدّكتور رضوان المصمودي رئيس المركز السيد عبد الكريم الهاروني رئيس مجلس الشّورى لحزب حركة النهضة، السيد طارق الكحلاوي عضو المكتب التنفيذي بحزب حراك تونس الإرادة والسيد مصعب بن عمّار عضو المكتب السياسي لحزب البناء الوطني.

بعد الترحيب بالحضور الكريم، أشار الدّكتور رضوان المصمودي إلى أنّ اجراء الانتخابات البلديّة دليل على صمود الشّعب التونسي ودوره في إنجاح الانتقال الدّيمقراطي أمام وضع اقتصاديّ صعب يتزامن مع وضع حرّياتي ناجح. وخير دليل على ذلك شهادة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الّذي أشاد بالتّجربة التونسيّة خلال زيارته إلى تونس. يجب تركيز انتخابات حرّة شفافة ونزيهة لتمثّل حقيقة إرادة الشعب التونسي بكلّ فئاته. وبالنّسبة لعزوف الشباب، من الضروري رفع هذا التحدّي وذلك من خلال إقناع كلّ التونسيين بأهمّية المشاركة بما فيهم الشّباب الغاضب. فالمشاركة في الانتخابات البلديّة تمثّل فرصة لغير الرّاضين عن الوضع للتغيير وذلك باختيار أحسن المترشّحين وأكثر الأحزاب قربا إلى قناعاته والقادرة على الإصلاح والإنجاز الفعلي.
أكّد السيد عبد الكريم الهاروني أنّ الانتقال الدّيمقراطي يتطلّب ترسيخ الثّقافة الدّيمقراطيّة قبل القوانين والانتخابات. تعدّ تونس أوّل ديمقراطيّة في العالم العربي، حيث يجب الوصول إلى الانتخابات عبر تركيز الحكم المحلّي من أجل الانتصار على الإقصاء وقبول التّنافس واحترام اختيار الشعب بما أنّه صاحب الاختيار. واعتبر أنّ لتأخير الانتخابات البلديّة الّتي كان من المفروض إجراؤها سنة 2015، تبعات سلبيّة حيث تضرّرت أكثر البنية التحتية للمدن والأحياء والقرى وطالت معاناة المواطنين. لذلك تحرص حركة النّهضة على إجراء الانتخابات البلديّة في تاريخ 6 ماي 2018 داعيا الأحزاب إلى الاستعداد لهذا الموعد لأنّ الوضع لا يحتمل أيّ تأخير أو تأجيل من أجل إعادة التّفاؤل بين أوساط الشّباب. وأكّد أنّه على الرّغم من اتّفاق الجميع على موعد الانتخابات إلّا أنّ السلوك العامّ يتعارض مع ذلك بحيث يجب توفير الهدوء والمناخ المناسب لكي تتمّ الانتخابات في أحسن الظّروف. كما أشار السيد الهاروني إلى النّقاط التّالية. أوّلا، ستعطي الانتخابات البلديّة القادمة الصّورة الحقيقيّة للأحزاب القويّة والتي تتمتّع بشعبيّة ممّا سيساعد على تقدّم المشهد السّياسي. ثانيا، تتردّد إشاعات على أنّ حركة النّهضة هي الحزب الوحيد الجاهز للانتخابات وهذا غير صحيح على حدّ تعبيره لأنّ جميع الأحزاب سهرت منذ أشهر بصفة جماعيّة على إعداد القوانين المتعلّقة بالحكم المحلّي. ثالثا، يتخوّف بعض الأحزاب السياسيّة من تركيز الحكم المحلي خشية تفككك المجتمع وانتهاء الدّولة، وهو ما اعتبره غير ممكن لأنّ المجالس البلديّة باختلاف تركيبتها ستخلق تنافسا ممّا سيساهم في التنمية الجهويّة. رابعا، إنّ الّذين ينادون بالنظام الرّئاسي وبالدّولة المركزيّة يمكن أن يعرّض تونس إلى عودة نظام الاستبداد خاصّة وأنّنا حديثي عهد بهذا النوع من الأنظمة. خامسا، يجب أن تتصدّى الأحزاب السياسيّة لعزوف المواطنين من خلال برامجها لإعادة بعث الأمل والتشجيع على المشاركة في الانتخابات البلديّة التي لم تعد تُجرى في إطار الصراعات الإيديولوجيّة بل تنافس على البرامج لخدمة المواطنين والصالح العامّ في إطار مجتمع حديث. سادسا، يعدّ تركيز التناصف الأفقي والعمودي ثورة على المستوى القانوني. وهو ما يمكن أن يرشّح تونس لتكون أوّل بلد في العالم اشترط في القوائم الانتخابية وجود المرأة لتتقلّد مسؤولية في الحكم المحلّي وبالتالي تشريكها في الشّأن العام وهو ما سيساهم في تحديث المجتمع التونسي. سابعا، إن مشاركة الشباب في الانتخابات البلديّة ستكون فرصة لهم لتحمّل المسؤوليّة ومعالجة المشاكل اليوميّة خلال التجربة المحلية ممّا يهيئهم للمشاركة في الحكم واعتلاء المناصب السياسيّة. ثامنا، لا يجب أن تخاف الأحزاب السياسيّة من صناديق الاقتراع بل عليها مواصلة تشريف تونس أمام العالم بفكر سياسي جديد ممّا يعزّز النّقلة النّوعيّة سياسيّا ويحقّق مستوى حضاريّا أفضل. وفي آخر مداخلته، قدّم السيد عبد الكريم الهاروني تحيّة للمستقلين ممّا يدلّ على وجود الكفاءات المستقلّة القادرة على التعامل مع الأحزاب في إطار نظام ديمقراطيّ.


أفاد السيد طارق الكحلاوي أنّ تونس منذ الثورة لم تعد تعيش صراعا إيديولوجيّا، ممّا يضفي خصوصيّة على الانتخابات البلديّة القادمة. كما أشار إلى وجود وجهتي نظر في المجتمع التونسي. تطالب الأولى بتركيز الدّولة الحديديّة في حين تطالب الأخرى بفتح مجال للحرّيات والانفتاح السياسي وتعزيز الثّقافة التّشاركيّة. وفي سياق كلمته، نوّه بتاريخ الحكم السياسي والدّيمقراطية الّذي مرّ بثلاث مراحل. أوّلا، كان الانتخاب مقتصرا على أجزاء معيّنة من الشعب. ثانيا، أصبحت كلّ الفئات المجتمعيّة قادرة على الانتخاب. وفي مرحلة أخيرة، تمّ تركيز الدّيمقراطيّة التّشاركيّة من خلال انتخاب برلمانات صغرى. أكّد السيد الكحلاوي على وجود صراع واضح حول فكرة الانتقال الدّيمقراطي، علما وأنّ الشعب التونسي سيعيش هذا الصّراع بمناسبة الانتخابات. حيث أنّ بداية الانتخابات ستكون بداية مراجعة التفكير في الانتقال الدّيمقراطي في حدّ ذاتها خاصّة مع وجود حزبين فقط قادران على التنافس. وفي إشارة منه إلى القانون الانتخابي، نوّه بأنّ القانون الانتخابي الّذي تمّ الاشتغال عليه في إطار مزايدات سياسويّة بالنسبة لتشريك المرأة المفروض، يعدّ قانونا تعجيزيّا لن يمكّن كلّ الأحزاب من الترشّح ل 350 دائرة ممّا سيضرّ بالانتخابات وبالحكم المحلّي. وبالنّسبة لقانون الجماعات المحلّية التي وإن تزامنت المصادقة عليها مع الانتخابات، إلّا أنّه من الضّروريّ التّساؤل حول الزمن الكافي لتفعيل الأوامر الترتيبيّة. وفي آخر كلمته، أكّد السيد الكحلاوي على أنّ الانتخابات البلديّة القادمة مهمّة جدّا لحسن سير الانتقال الدّيمقراطي من خلال تحقيق الأهداف الّتي وضعت من أجلها.
أمّا السيد مصعب بن عمّار فقد أشار إلى أنّه على الرّغم من مرور 7 سنوات على اندلاع الثّورة، مازال السياسيون يتحدّثون عن الانتقال الدّيمقراطي كمرحلة وهو ما يفترض إمّا التقدّم أم التراجع علما وأنّه إن لم نتقدّم فإنّنا سنتراجع. كما شدّد على أنّ الحكم المحلّي ليس مجرّد إجراء انتخابات وإنّا هو أشمل من ذلك. كما تعرّض السيد بن عمّار إلى أنّ الحكم المحلّي لن يتحقّق إذا توفّرت قائمة واحدة في الدّائرة الانتخابيّة حيث يمكنها الفوز من دون انتخابات. وبالنّسبة للعناصر التي يوفّرها الحكم المحلّي لترسيخ الانتقال الدّيمقراطي تمّ ذكر ما يلي. أوّلا، من المهمّ في عمليّة ترسيخ اللامركزيّة وضع حلّ للتصدّي للتهميش الجهوي من خلال وضع الامتيازات الكافية للبلديات وتغيير عميق في مجلّة الجماعات المحلية بما يعطي المجلس البلدي القدرة على تنفيذ اللامركزية. ثانيا، توفّر الإرادة السياسيّة خشية ألا تحترم الصلاحيات المعطاة للمجلس البلدي من قبل أصحاب القرار. كما أكّد السيد بن عمّار على أنّه لكي يعطي الحكم المحلي فرصة للدّيمقراطيّة التشاركيّة بصفة فعليّة يجب أن يحسّ المواطن بنتائج الدّيمقراطيّة في حياته اليوميّة مع توفر العناصر التالية. أوّلا، رغبة المواطن في الترشّح. ثانيا، وجود المجلس البلدي بتركيبته الكاملة. اعتبر السيد بن عمّار أنّ نجاح الانتخابات البلديّة سيكون بمثابة دفع قويّ للانتقال الدّيمقراطي من أجل تحقيق قدر أكبر للاستقرار الاجتماعي. علما وأنّ مشاركة الشباب في المجالس البلديّة سيمكّن من تخفيض منسوب التوتر. وفي نفس السياق، تساءل المتدخّل هل ستفتح الانتخابات البلديّة أبواب كبيرة لتغيير عميق؟ وما هو دور الإعلام في تركيز أهمية الانتخابات البلدية؟ وفي إجابته على الإشكالية المطروحة، أكّد على أنّ الانتخابات البلدية ستفضح عورات النّظام السياسي الحالي بحيث يأتي التغير من حيث لا يحتسب. وأضاف أنّ القانون الانتخابي يعدّ استثنائيا وخاصّة فيما يتعلّق بمسألة التناصف ولكن أليس من الضّروريّ الارتقاء بمكانة المرأة وبواقعها المعيشي وتحضير النسيج الاجتماعي لقبول تولي المرأة مناصب هامّة خاصّة وأنّ المرأة تعاني الكثير من المشاكل في المناطق الدّاخلية. مشيرا إلى أنّه من الأصحّ أن تفرض المرأة نفسها لا أن تُفرض على أساس التناصف. وكذلك الوضع بالنسبة لأصحاب الاحتياجات الخصوصيّة الّذين أصبحت الأحزاب تتاجر بهم.


خلال النقاش، ثمّن البعض مسألة التناصف الّذي سمح للمرأة بفرصة أكبر للمشاركة في الشّأن العامّ ودعا المحاضرين إلى التخلّي عن نظرة التّشاؤم الّتي ستزيد من عزوف الشباب. كما أكّد البعض الآخر على أنّ دور الحكومة يتمثّل في توفير الأدوات لحسن سير الدّيمقراطيّة. ودعا بعض الخبراء إلى المحافظة على مجلّة الجماعات المحلية لما تحتويه من منظومة قانونيّة متميّزة.
أثناء التفاعل، أكّد السيد مصعب بن عمّار على أنّ فرض الترشّح على المرأة للانتخابات البلديّة لا يعني تكريمها مؤكّدا على أنّ مسألة التناصف لا تخدم المرأة بقدر ما تضرّها. وفيما يتعلّق بنظرة التشاؤم، شدّد على أنّه من بين مهامّ السياسي التحذير من الخطر الّذي يهدّد الانتقال الدّيمقراطي. “فنحن نعمل وننقد ونبني” على حدّ تعبيره. وبالنسبة لمسألة العزوف، ذكر السيد بن عمّار حملة “فكّ بلاصتك” التي شارك فيها 6 آلاف شاب أقلّ من 30 سنة من مختلف الفئات الاجتماعية دخلة الانتخابات البلديّة واستطاعوا تجاوز مشكلة العزوف للمشاركة في الحياة السياسية.
أشار السيد طارق الكحلاوي إلى أنّ المشكل يتمثّل في تفعيل مجلّة الجماعات المحلية عبر أوامر ترتيبيّة وليس في المجلّة بعينها. كما شدّد على ضرورة التعامل بجدّية مع المواطنين فيما يخصّ العزوف عن المشاركة في الشّأن العامّ. فإذا لم تنتخب طائفة فهناك من سيقوم بالانتخاب. فالسياسيون مطالبون بالربط بين التحول الدّيمقراطي والجانب الاقتصادي والاجتماعي.


نوّه السيد عبد الكريم الهاروني بأنّ التونسيين بصدد القيام بتجربة ديمقراطيّة بعقول تونسيّة وأياد تونسيّة عن طريق التّشاور بين كلّ مكوّنات العائلة السياسيّة، بما في الشّعب التونسي من مساوئ ومحاسن. كما أشار إلى مسألة التناصف التي اعتبرها تونسية الصّنع من دون اقتباس. وردّا على القائلين بأنّ الأحزاب غير قادرة على المشاركة في الانتخابات، أكّد السيد الهاروني على أنّ القانون الانتخابي أعدّ له من قبل كلّ الأحزاب كما أنّ التحضير للانتخابات يكون قبل عام وعامين وهو مالم يحدث وذلك دليل على أنّ الدّيمقراطيّة في تونس ديمقراطيّة ناشئة.
وقبل اختتام النّدوة، اعتبر الدّكتور رضوان المصمودي أنّ الانتخابات البلدية تعدّ فرضة تاريخيّة لبناء أوّل ديمقراطيّة في العالم العربي بحيث يجب التعامل جيّدا مع أعداء الدّيمقراطيّة والثورة المضادّة. وأكّد أنّه من واجب الجميع التحرّك لإقناع المواطنين بالمشاركة في الانتخابات مؤكدا على أنّ ظاهرة عزوف الشباب ظاهرة عالميّة حتّى في الدّيمقراطيّات الرّاسخة.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تقرير – ندوة حول: أيّ دور للأشخاص ذوي الإعاقة في الانتخابات البلديّة؟

نظّم مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة ندوة بعنوان أيّ دور للأشخاص ذوي الإعاقة في الانتخابات البلديّة، ...