تقرير – شهادة للعميد هشام المؤدّب: حقائق حول الإرهاب في تونس

نظّم مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطية ندوة حول ظاهرة الإرهاب، قدّم خلالها العميد هشام المؤدّب مداخلة بعنوان “حقائق حول الإرهاب في تونس”وذلك يوم الخميس 1 مارس 2018 بمقر مداد بتونس العاصمة. والتي حضرها جنرالات سابقون وسياسيون ونشطاء في المجتمع المدني.

أثناء الكلمة الترحيبيّة، توجّه الدّكتور رضوان المصمودي بعبارات الامتنان إلى وزارتي الدّفاع والدّاخلية لجهودهم المبذولة في مكافحة الإرهاب مشيرا إلى الإنجازات العظيمة التي قاما بها في هذا المجال. كما توجّه بعبارات الشكر إلى ممثّلي سفارات الدّول الصديقة الحاضرة بالنّدوة كالسعودية والكويت والسودان وفلسطين وروسيا.  كما توجّه بالشّكر للمجتمع التونسي ولكلّ مؤسّسات الدّولة على وحدتهم ووطنيّتهم في التصدّي لظاهرة الإرهاب.

 

دارت مداخلة العميد هشام المؤدّب حول أربع مستويات. أوّلها، أسباب إخفاق الدّول الكبرى في التصدّي لظاهرة الإرهاب. ثانيها، الأحداث الإقليميّة والعالميّة التي ساهمت في انتشار الإرهاب. ثالثها، إنجازات الدّول الصّديقة والشّقيقة في التصدّي للإرهاب. رابعها، الجهة التي تدفع بالإرهاب في تونس وتؤجّجه.

وفي بداية ورقته، تعرّض السيد المؤدّب إلى مفهوم الإرهاب وهو استعمال القوّة واستغلالها لأغراض سياسيّة. وألمح بوجود أكثر من 300 تفسير في العالم لكلمة الإرهاب، تكون أحيانا متناقضة وأحيانا متكاملة فيما بينها وذلك لأنّ بعض البلدان تدرج عمليات التحرر الوطني ضدّ الدّول المحتلّة في قائمة الأعمال الإرهابيّة. مؤكّدا على أنّ الإرهابي هو الشخص الّذي يرفض النّظام القائم ساعيا إلى تغييره والإطاحة به عن طريق استعمال العنف.

أشار السيد المؤدّب إلى الأسباب وراء إخفاق الدّول الكبرى في مقاومة الإرهاب. أوّلا، الاقتصار على العمل التكنولوجي. فالدّول الغربية عموما والولايات المتحدة الأمريكيّة خصوصا تعتمد على تقنيات حديثة في مكافحة الإرهاب تتمثل في التجسّس على جميع الإرساليات والمكالمات الهاتفيّة والتثبّت من محتواها، ممّا يجعل المجال الميداني (التحقيق) يشهد فراغا. وبالتالي تصبح إمكانيّة التعرف على سلوك الإرهابي وتفاصيل حياته غير ممكنة. ثانيا، اعتماد الدول الغربيّة على المصالح التي كانت تعمل على مقاومة الجوسسة ما قبل سنة 1989. وفيما بعد ذلك التاريخ صارت هذه المصالح التي كانت تسخّر في مواجهة الاتحاد السوفياتي مستعملة في مقاومة الإرهاب. وهذا النّوع من المصالح تشتغل بصفة بطيئة وتستغرق وقتا طويلا في دراسة الأماكن والمحيط والسلوك، فلم تستطع مجابهة سرعة الأعمال الإرهابية علما وأنّ الإرهابي ينفّذ بسرعة الأعمال الإرهابيّة. ثالثا، تلاقي الأضلع الثلاثة الجريمة والإرهاب ومقاومة المحتلّ. فالعناصر الفاعلة (الإرهاب، والمقاتلين، والميليشيات، وحركات التحرير، والعصابات، والأحزاب، والمافيا) الذين عاشوا بعيدا عن بعضها البعض، انضوت في نفس المشهد، حيث أصبح كلّ ضلع يحتاج للآخر سواء في اقتناء أجهزة أو تمرير أشخاص ممّا يؤكّد نسبة التداخل بينهم. وفي نفس السياق، أشار السيد المؤدب إلى أنّ النشاط الإرهابي كان يشتغل في التيارات اليساريّة ما قبل 1989، حيث كان الإرهابي يبحث عن غطاء سياسيّ رافضا منظومة الحكم التي يسعى إلى تغييرها بالقوّة. بعد ذلك التاريخ، تغيّر الغطاء الّذي تحصّن به الإرهابي فصار غطاء دينيّا. كذلك كان العالم الغربي بعد سقوط الاتحاد السّوفياتي في حاجة إلى وجود عدوّ خارجيّ من أجل المحافظة على قوّاته العسكريّة. وبالتالي أعلن الحرب على العدوّ الصّيني ومن ثمّ على الإرهاب ذو الأصول الدّينيّة.

 

 

أمّا بالنّسبة إلى الأحداث الإقليميّة والعالميّة الّتي ساعدت على انتشار الإرهاب فهي التالية. أوّلا، تعرّض المملكة العربيّة السّعوديّة سنة 1979 إلى الهجمة الإرهابيّة التي شارك فيها إرهابيون سعوديون، يمنيون ومصريّون، والتي كانت تهدف لقلب النّظام، تعتبر انطلاق شرارة العمليات الإرهابيّة في الشّرق الأوسط وفي العالم العربي. كما أنّ تمكين الولايات المتّحدة الأمريكيّة المملكة العربيّة السّعوديّة من الملاحة في الخليج العربي أغضب إيران وهو سبب الهجمات الإرهابيّة. ثانيا، سقوط الشّاه في إيران سنة 1979 خلّف مشاكل سياسيّة وعمليات إرهابيّة نظرا للحكم الإيديولوجي الّذي خلفه. ثالثا، الصراع الأفغاني الذي بدأ بين فصيلين شيوعيين مؤيدين لروسيا وآخرين مؤيّدين لأوروبا، علما وأنّ جميع الإرهابيين الكبار في عصرنا توجّهوا سابقا إلى أفغانستان. وانتهاء الحزب الشّيوعي في أفغانستان باغتيال رئيس الدّولة من طرف رئيس الوزراء، أدّى إلى ظهور العديد من المنظّمات الإرهابيّة مثل طالبان والقاعدة. حيث واجهت الولايات المتحدة الأمريكيّة صعوبات جمّة في القضاء على مثل هاته الجماعات الإرهابيّة الّتي نفّذت العديد من الضربات الإرهابيّة كتفجير السفارات الأمريكيّة في كينيا وتنزانيا سنة 1998، وهجمة الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك. وفي سنة 2003، درست الولايات المتحدة الأمريكيّة أسباب كره الجماعات الإرهابيّة لأمريكا وتنفيذها لمثل هاته الأعمال العنيفة. فتمّ اتخاذ قرارين اثنين: اعتماد المناورات السياسية والاقتصادية مع البلدان الصديقة للقضاء على الإرهاب كالمغرب وتونس ومصر، والمضي قدما في استخدام القوة مع الدول المعادية للولايات المتحدة الأمريكية كبعض بلدان الاتحاد السوفياتي سابقا. وأثبتت الدّراسات الأمريكيّة أنّ تجنُّد الإرهابيين ضد نظامهم الوطني ثم الدولي هو نتيجة الفساد والأحداث الإقليمية والمحسوبية وما إلى ذلك. وبالتالي يقوم النّمط الأوّل على وضع برنامج سياسي وإدراج جميع المكوّنات السياسيّة في منظومة الحكم في تلك البلدان ومحاولة تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي.

 

 

على سبيل المثال، مكنّت الولايات المتحدة الأمريكية تونس في سنة2003، من وثيقة تحتوي على 30 نقطة لإرساء ديمقراطيّة حقيقية، حيث تمثل جميع القوى السياسية والاجتماعية للأمة، من بينها تسريح الموقوفين السياسيين، تعزيز احترام الحقوق السياسية والاجتماعية للمواطنين. إلّا أنّ النّظام الأمريكي تفاجأ بعدم وجود رغبة حقيقيّة تونسية في إرساء ديمقراطيّة وبالتالي تمّ إلغاء برنامج الزيارات وتغيير الموقف الأمريكي. وعلى عكس الدّولة التونسية، قبلت المغرب العرض الأمريكي وقامت الحكومة بإدراج كلّ المكونات السياسية في المشهد السياسي واستطاعت تحقيق استقرار نسبيّ.

بعد الثورة، التي أكّد السيد المؤدّب على أنّها تونسية الصّنع نتيجة ظروف اجتماعيّة وسياسيّة خانقة وأنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة لا تتدخّل في تغيير حكم دولة صديقة بل اكتفت بالنّصح على مستوى القادة العسكريّين لحماية مؤسّسات الدّولة وعدم التعرّض للمدنيين. تمّت ملاحظة آثار الاستراتيجيّة الأمريكيّة في تونس، فقد استطاعت حركة النهضة كحزب إسلامي التّأقلم مع بقية الألوان السياسيّة في السلطة والتّأقلم مع الخصوصيّة التونسية وهو ما ساهم في تخفيض الهجمات الإرهابيّة. وفي نفس السياق، ونتيجة تظافر الجهود الوطنيّة في التصدّي لظاهرة الإرهاب، أصبحت التجربة التونسية لمكافحة الإرهاب مثالا يحتذى بها من قبل الأوروبيين كألمانيا وفرنسا.

أشار السيد المؤدّب إلى وجود مصدرين اثنين يساهمان في انتشار الإرهاب. مصدر دولي متمثّل في مختلف الجهات التي تسعى إلى إضعاف الدّولة اقتصاديّا ودفعها للتخلّي عن المعادن، البنوك، وسائل الاتصال الكبرى وغير ذلك من الثروات. فالأعمال الإرهابيّة التي استهدفت سوسة ومتحف باردو وحافلة الجيش التونسي هي رسائل مشفّرة ضدّ الدّولة تنفّذ بأيادي تونسيّة قصد تطويع وإخضاع الدّولة من خلال ضرب قطاعاتها الحيويّة. أمّا المصدر الثاني فهو مصدر إقليمي حيث تسعى بعض الدّول إلى تعطيل البرنامج الدّيمقراطي للدّول التي قامت بثورات وهو ما يمكن أن يهدّد استقرار أنظمتهم في المستقبل.

وفي آخر مداخلته، أكّد السيد المؤدّب على أنّه لا يمكن مجابهة الإرهاب بالاقتصار على المجابهة القمعيّة ولكن يجب فهم الأسباب العميقة للظّاهرة (الفقر، البطالة، انتهاك الحقوق، انعدام التنمية، إلخ …) ووضع استراتيجيّة وطنيّة لتحقيق عدالة وطنيّة شاملة.

خلال النّقاش، أكّد العديد من الحاضرين على أنّ غياب العدل والحريات هو أساس رفض المجتمعات للأنظمة القائمة. كما أنّ انعدام الانتماء والشعور بالهويّة هو سبب أساسيّ للإرهاب. أمّا البعض الآخر قد اعتبر أنّ المعاملة الأمنيّة المتعسّفة والتي تشوبها العديد من الإخلالات القانونيّة والأخلاقيّة هي التي أجّجت مشاعر الغضب عند الشباب المسلم والتي دفعته للتطرّف. من ثم كان التساؤل عن السياسيات والاستراتيجيات التي أعدّتها المؤسّسة الأمنية لإحاطة وتأهيل الآلاف الّذي تعرضوا للظلم والمتابعة الأمنية غير المبرّرة وإعادة إدماجهم في المجتمع.

كما حضر في النّدوة تونسي خرج منذ سنوات من سجون غوانتانامو بعد أن تمّت تبرئته لتقديم شهادته مفادها أنّه منذ دخوله التراب التونسي وهو يتعرّض لانتهاكات متكرّرة من قبل البوليس التونسي الّذي يعامله كإرهابي، مضيّقا عليه وعلى عائلته الخناق. مؤكّدا على” أنّه يتمنّى العودة إلى غوانتانامو بحثا عن حياة أفضل” على حدّ تعبيره.

خلال التفاعل، أشار السيد هشام المؤدّب إلى أنّ الدّولة العميقة هي إدارة متجذّرة ومتمركزة داخل الدّولة من الصعب تغييرها في فترة وجيزة. وهذا المشكل تعاني منه أيضا الدّول الكبرى وخاصّة الولايات المتحدة الأمريكيّة. مؤكّدا على أنّ الإصلاحات داخل المؤسّسة الأمنيّة سائرة نحو التطبيق تدريجيا. إلّا أنّ نجاعة التغييرات تتطلّب تغيير العقليّة لدى المواطن. كما دعا السيد المؤدّب جميع المتضرّرين من المعاملة الأمنيّة غير السويّة إلى تقديم شكاوى لدى مكتب العلاقة مع المواطن بوزارة الدّاخليّة لرفع الضّرر والمساهمة في تعرية الواقع.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محاضرة للدكتور مصطفى بن جعفر الانتخابات البلديّة: محطّة هامّة نحو تحقيق اللامركزيّة وتطبيق الدّستور

نظرا للعزوف الّذي يسيطر على المجموعة الوطنية وشعورها بالإحباط من المشهد السياسي، نظّم مركز دراسة ...