تقرير – تحدّيات الحكم المحلي: الشباب والانتخابات

نظرا لأهمية الانتخابات البلديّة في دعم اللامركزية ونجاح تجربة الانتقال الدّيمقراطي، نظّم مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة ندوة حول تحدّيات الحكم المحلي: الشباب والانتخابات، يوم الجمعة 26 جانفي 2018 بمقر مداد-مونبليزير. أثّث هذه الندوة التي أدارها الإعلامي ورئيس تحرير موقع شبيبة. تي آن صلاح الدّين الجورشي، كلّ من السيد أنور بن حسن والسيد نبيل بافون عن الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات والسيد عصام الدّين الرّاجحي رئيس جمعيّة نماء للتنمية والدّيمقراطيّة.
 

بعد الترحيب بالحضور الكريم، شدّد السيد صلاح الدّين الجورشي على أهمّية محطّة الانتخابات التي ستشكّل منعرجا في تجربة الانتقال الدّيمقراطي. وعلى الرّغم من حساسية المرحلة يشهد المجتمع التونسي حالة من العزوف والقلق والتساؤل حول مدى جدوى الانتخابات، وهو ما اعتبره حالة خطيرة إذ أنّ كلّ تجربة انتقال ديمقراطيّ تُصاب في صميمها في حال عدم فهم المجتمع لأهمّية تغيير المشهد السياسي. كما أشار إلى التجربة الصحفيّة التي قام بها موقع شبيبة. تي آن الّتي دلّت على عزوف الشباب ووجود نتائج عكسيّة تحصل على أرض الواقع مخيّبة للآمال. وفي نهاية كلمته، دعا الشباب إلى المشاركة في الانتخابات البلديّة التي ستكون فرصة لهم للمشاركة في القرار السياسي وذلك عن طريق تغيير البنية الأساسيّة ومن ثمّ تغيير المشهد السياسي بكامله في مرحلة لاحقة.

أمّا السيد أنور بن حسن فقد طرح عديد الإشكاليّات قبل الانطلاق في الإجابة عنها. هل الانتخابات هي المشكل أم الحلّ؟ بماذا أتى المشرّع من تشريعات؟ وما هي الآليات التي قامت بها الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات؟ نوّه السيد أنور بأنّ الهيئة منذ أكتوبر 2011 قامت بحملات تحسيسيّة لتحفيز النّاس على التسجيل بلغت قيمتها 12 مليار دون احتساب الحملات التحسيسية للإقبال على الاقتراع، غير أنّ ذلك لم يقنع كثيرا إذ سجّل 5 مليون فردا ولم ينتخب سوى 2.5 مليون مقترع. فمن المسؤول عن هذا العزوف؟
قامت الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات بالتعاون مع المنظّمة الدّوليّة للنظم الانتخابيّة بإعداد 10 حلقات نقاش شملت 20 ولاية و49 معتمديّة. شارك فيها عدد واسع من الفئات الاجتماعيّة خاصّة الفئة الشبابيّة التي ما بين 20 سنة و25 سنة. مكّنت حلقات النقاش من التعرض إلى العديد من المواضيع المتعلّقة بالانتخابات. اعتبر السيد أنور أنّ من بين العقبات التي تحول دون مشاركة الشباب في الشّأن العامّ هو انعدام الثّقة بالأحزاب السياسيّة وببرامجها. كذلك اتساع الفجوة بين الخطاب على الميدان وما يتلقاه الفرد في المؤسسات التربوية من برامج تعليميّة.
وبالتالي قامت الهيئة بالتعاون مع وزارة التربية بإنشاء حقيبة انتخابيّة لفائدة المدارس الابتدائيّة. تتضمّن الحقيبة أدلّة أساتذة فيها جذاذات تمارين وأدوات لمحاكاة عمليّة التصوير. فتنفيذ هذه الاستراتيجيّة يساعد على إشاعة مفهوم الثّقافة الانتخابيّة وإدماجها في البرامج التعليميّة.
وبالنسبة للانتخابات البلديّة أكّد على أنّه هناك اهتمام عامّ مقابل انخفاض المعلومات. وبالتالي استخلصت الهيئة ضرورة النزول إلى الميدان وتبسيط المفاهيم المعقّدة مع التركيز على الاتصال والتواصل المباشر مع الأفراد. فقد شدّد السيد أنور على أنّ العمليّة الانتخابيّة هي عمليّة تقنيّة وليست سياسيّة أو حزبيّة، كما تُعدّل حولها كلّ العمليات. فمنذ سنة 2011، رصيد العمليّة الانتخابيّة في تراجع، مؤكّدا على أنّ الهيئة غير مسؤولة عن هذا التراجع، إلّا أنّه من واجبها وضع الأدوات والآليات لضمان حقّ النّاخب وحقّ المترشّح بالإضافة إلى ترغيب الأفراد على الاقتراع. وفي نهاية تدخّله، دعا السيد أنور كلّ الأطراف من مجتمع مدني وحكومة وهيئات مستقلة إلى تعزيز العملية الانتخابية بكلّ الوسائل مع الحفاظ على حدّ معقول من المصداقيّة.

أورد السيد عصام الدّين الراجحي أنّ الشباب التونسي عاش خلال الفترة السابقة تهميشا وتغييبا واللاعدالة الاجتماعية والجهويّة وذلك من خلال تعزيز المركزية لفائدة العاصمة. إلّا أنّ ثورة 14 جانفي قطعت مع الواقع المرير وتمّ دعم اللامركزية من خلال تخصيص باب كامل في الدّستور للسلطة المحلية. رغم التغييرات السياسيّة والاجتماعيّة التي مرّت بها تونس إلّا أنّ الشّباب زاد عزوفه عن المشاركة في الحياة السياسيّة. فماهي أسباب القطيعة بين الشباب والسلطة؟ أوّلا، يعيش الشباب التونسي الّذي يمثّل 40% من المجتمع إحباطا كبيرا وخيبة أمل واضحة دفعته إلى الغياب عن الانتخابات والمشاركة في الأحزاب.
ثانيا، غياب الوعي بمجريات العمليات الانتخابيّة. 
 ثالثا، نسبة انخراط الشباب في الأحزاب السياسيّة 2.7% حسب مرصد الشباب لسنة 2015. كما أنّ العامل الّذي يعزّز من مزيد التراجع هذه النسبة هو وضع 3% فقد على رأس القائمات الانتخابيّة، أمّا باقي الأسماء فهي في مراتب متراجعة.  رابعا، ضعف الأداء السياسي للأحزاب السياسيّة التي تعتمد منطق إقصاء الشباب وتستقطب عناصر غير شبابيّة يتمّ اتخاذها كمرجعيّة فكريّة وهي “لا تمتلك مقومات الزعامة في أبعادها الكاريزمية بقدر ما تملك سلطة إداريّة متنفّذة” على حدّ تعبيره.  خامسا، غياب التكوين والتّأطير السياسي الحزبي للشباب الّذي سيمكّنهم من اعتلاء مناصب سياسيّة هامّة في مراحل متقدّمة.  سادسا، صراع الأجيال والنظرة الدّونيّة الموجّهة للشباب من قبل الكهول. سابعا، أكّد السيد عصام الدّين على أنّ الشباب رافض لأن يكونوا مجرّد أرقام لتحقيق الأحزاب مصالح يوظّفون هم لتحقيقها.  ثامنا، الوضع الاجتماعي المتدهور كالبطالة.  وفي نهاية مداخلته، طلب السيد عصام الدّين زيادة الاعتراف بالقدرات الشبابيّة التي يمكنها أن تكون فاعلة ورائدة في الحياة السياسيّة وداعمة للامركزيّة.       

 

نوّه السيد نبيل بافون بثقل الشباب في الانتخابات البلديّة إلّا أنّه أشار إلى دور المرأة الهامّ وخاصّة وأنها ناقلة للمبادئ للأبناء والأسرة. كما دعا إلى الكفّ عن جلد الذّات مؤكّدا على تميّز الشباب التونسي على مستوى العالم العربي.  واعتبر أن تميّز الشباب تجسّم في الثورة السلمية التي قام بها المجتمع التونسي، حيث أنّ طاقة الشباب متجذّرة في هوّيته كما لعبت الثقافة والتعليم دورا هامّا.  أمّا بالنسبة للقانون الانتخابي للانتخابات البلدية، فقد اعتبره السيد نبيل قانونا استشرافيا فرض على القائمة ما يكفي من أعداد النساء والشباب (أقل من 35 سنة) في المراتب الأولى لكي تتمكّن من استرجاع مصاريف الحملة الانتخابية وتكسر حاجز الخوف على المستوى الاجتماعي. وبالتالي تكون المجالس ممثّلة بما يقارب 30% من الشباب وفيها من النساء والرجال بشكل متناصف. ونوّه السيد نبيل على أنّ وجود المرأة يمكّن من التخفيض في نسبة الفساد والرشوة حسب عدّة دراسات أجنبيّة.  كما اعتبر أنّ المجالس البلديّة هي منطلق الدّيمقراطيّة وبالتالي تمكّن الفرد من ممارسة السلطة بصفة واقعيّة وأكثر نجاعة خاصّة وأنّ تركيبتها تمكّنها من تأدية مهامّها كما يلزم. أمّا على التشريع، فقد نوّه بوجود قوانين متتالية وغير مطابقة للواقع في بعض الأحيان ولكن معالجتها يمكّن من إرساء دولة ديمقراطيّة ومتينة. كما تعرّض السيد نبيل إلى أهمية مشاركة الأمنيين والعسكريّين في الانتخابات البلديّة لغياب طابع الاستقطاب السياسي المتوفّر في الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة.   

خلال النّقاش، حمّل الناشط المدني مالك الصغيري الهيئة العليا المستقلة للانتخابات مسؤولية تراجع الإقبال على الانتخابات لانعدام الثّقة للأسباب التالية. أوّلا، المسجلون سنة 2011 وجدوا أنفسهم ناخبين في الانتخابات الرّئاسية سنة 2014 علما وأنّهم لم يجدّدوا انتخابهم. ثانيا، الانقسامات داخل الهيئة واستقالة رئيسها السيد شفيق صرصار وتصريحاته شكّكت في مصداقيّة الهيئة واستقلاليّتها. كما أشار الأستاذ الجامعي السيد محمود فارح إلى خوف المجتمع من توظيف الحقيبة الانتخابيّة داعيا الهيئة إعطاء الضّمانات الكافية لحسن سير الانتخابات البلديّة بعيدا عن التشويش السياسي. أمّا الأستاذ الجامعي السيد ياسين إسماعيل فقد اعتبر أنّ الانتخابات البلديّة آلية ضروريّة على المستوى النّظري إلّا أنّ النّخبة السياسيّة فشلت فشلا ذريعا على جميع المستويات فهي لم تستطع تكوين خليّة متناسقة صلب الحكم والمعارضة. وقد اعتبر السيد سيف الله المشاط الإعلامي أنّ عزوف الشباب عن المشاركة في الشّأن العامّ هو نتيجة ضمنيّة لمشكل “التونسي” الأساسي وهو الحاجة إلى التنمية. فتحقيق التنمية سيدفع الشباب إلى افتكاك مكانه في المجتمع دون انتظار الدّولة أن تساعده في إيجاد مواطن شغل على حدّ تعبيره.    

   خلال التّفاعل، أكّد السيد أنور بن حسن على أنّ البلدية سلطة محلّية تقوم بوظيفة هامّة في إدارة الصالح العامّ. كما اعتبر أنّ الهيئة هي الضامن لتحقيق انتخابات نزيهة وشفّافة بالإضافة إلى أنّ تقدّم فقه القضاء الإداري. شدّد السيد عصام الدّين الرّاجحي على ضرورة الابتعاد عن شيطنة الفئة الشبابيّة مع التوقف عند المشاكل الأساسيّة لإيجاد الحلول المناسبة. دعا السيد نبيل بافون الحضور إلى التفاؤل من أجل إعطاء الشباب المزيد من الأمل. واعتبر أنّ القانون الانتخابي قابل للمراجعة والتغيير. وبالنسبة للثقة التي اهتزت بالهيئة، أكّد السيد نبيل بافون على أنّ الثقة يمكن أن تسترجع بالممارسة والعمل وهو ما تسهر الهيئة على تحقيقه. أمّا السيد صلاح الدّين الجورشي فقد توجّه بنقد لاذع للأحزاب السياسيّة التي لم تتحمّل مسؤوليّتها وأصبحت في الآونة الأخيرة تهدّد البلاد. وبالنسبة للتفاؤل دعا السيد صلاح التحلي بالتفاؤل غير المغشوش نظرا لحساسية المرحلة.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تقرير – شهادة للعميد هشام المؤدّب: حقائق حول الإرهاب في تونس

نظّم مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطية ندوة حول ظاهرة الإرهاب، قدّم خلالها العميد هشام المؤدّب مداخلة ...