تقرير – أي الحلول لدعم الاقتصاد الوطني؟

نظم مركز دراسة الإسلام والديمقراطية بالتعاون مع شبكة غصن الزيتون للجمعيات التنموية بصفاقس ندوة تحت عنوان “أي الحلول لدعم الاقتصاد الوطني؟” وذلك يوم السبت 30 سبتمبر 2017 بنزل سيفاكس بصفاقس. افتتح اللقاء السيد حاتم العيادي رئيس شبكة غصن الزيتون للجمعيات التنموية الذي رحب بالحضور وأكد على ان هذا اللقاء يأتي في اطار سلسلة من اللقاءات من أجل البحث عن حلول عملية وفعلية للمساهمة في دفع قطاع الاقتصاد ليفسح المجال للمتدخل الأول السيد سليم بسباس وزير المالية السابق.

 

1- مداخلة السيد سليم بسباس- وزير مالية سابق – بعنوان الحلول المالية لضمان استدامة التوازنات

 

بدأ بتقديم الإطار الزماني لهذه الندوة التي تزامنت مع حدثين هامين بالبلاد، الأول يتمثل في اتفاق صلب الائتلاف الحاكم على حكومة حرب مهمتها رسم برنامج متناسق وطريق واضح لإنجاح الانتقال الديمقراطي عبر بناء اقتصاد قوي لأن الديمقراطية لا تتعايش مع الوضعية الاقتصادية الهشة، أما الثاني فهو اعداد مشروع المالية 2018. ولاحظ أن اعداد هذا المشروع يجب أن يسبقه استكمال مشروع المالية 2017 الذي شهد تفاوتا كبيرا بين المقدر و المنجز مما يستدعي التدخل لتحيين التقديرات ووضع الاجراءات الكفيلة بالتدارك وشدد على ضرورة اعداد برنامج عاجل لاختتام الثلاثية الأخيرة لسنة 2017 وايجاد الحلول التي كلما أجلناها كلما كانت أصعب وأكثر ألما وأقل نجاعة.

أكد السيد سليم بسباس أن تونس أمام نقطة مصيرية وهي التحكم في التوازنات المالية التي تشهد انخراما في مسار تصاعدي، فمؤشر المديونية قفز من نسبة 40 بالمائة سنة 2010 إلى نسبة 62 بالمائة سنة 2017 (وهذه النسبة قابلة للإرتفاع بعد التحيين) مما يحد من قدرة الدولة على تعبئة الموارد، خاصة وأن المديونية لا تعبر عن مشاريع استثمارية كبرى تعطي مردودها في المستقبل بل هي في جزء كبير منها موجهة لتغطية نفقات التصرف، كما أن الهوة بين الموارد والنفقات في ازدياد والعجز في الميزانية يوشك على 9.7 مليار دينار بعد التحيين.
تتمحور الحلول التي قدمها في محورين اثنين: التحكم في نفقات التصرف ودعم الموارد المالية الذاتية.
بالنسبة لنفقات التصرف التي يجب التحكم فيها، ذكر أولا نفقات التأجير ثم نفقات الدعم وأخيرا نفقات التنمية. تعتبر تونس في طليعة الدول من حيث عدد الموظفين ومعدل الأجور بالنسبة للدخل الخام ولديها كتلة أجور في تقدم مضطرد ( ستتجاوز 15 مليار دينار سنة 2018 باحتساب الزيادات ) دون أن يقابله تطور و ازدياد في العمل ( ظاهرة الحضائر وشركات البيئة ) لذلك يجب التحكم في الانتدابات والتحفيز على التقاعد المبكر، كما أن دعم المواد الأساسية والمحروقات يمثل عبئا كبيرا على الدولة واحدى توجهات الاصلاح في هذا المجال هي الزيادات الطفيفة في أسعار المواد المدعمة مما يحد من كلفتها دون اللجوء إلى الزيادات الكبيرة التي تحدث انفجارا اجتماعيا . كذلك يمكن الحد من عملية تحويل الوجهة لنفقات الدعم التي يذهب جزء منها إلى غير مستحقيها وذكر أن من أهم الإجراءات هي المسح الإجتماعي الذي يتطلب وقتا طويلا كما ذكر الحل الجبائي الذي اتخذته الحكومة لمدة سنوات وهو تسليط إتاوة لفائدة صندوق الدعم على الفئة المستهلكة للدعم بدون موجب كأصحاب الدخل المرتفع والسيارات الفخمة…، ومن الحلول أيضا تعميم فكرة “جهاز تسجيل العمليات ” التي جربت في المقاهي سنة 2016 على المخابز. ثم تحدث عن نفقات التنمية التي يضطلع بها القطاع العام المبادر بالاستثمار واقترح تشريك القطاع الخاص في الاستثمار للحد من هذه النفقات.
أما بالنسبة لدعم الموارد المالية الذاتية فقد تطرق للمواد غير الجبائية التي قال أنها تشهد نضوبا بسبب تقهقر بعض القطاعات أهمها قطاع المحروقات والفسفاط فالإنتاج الذاتي في قطاع المحروقات الذي كان يغطي 70 بالمائة من احتياجاتنا أصبح لا يفي حتى ب50 بالمائة منها, كما أن هناك تراجعا في قطاع الفسفاط وضرب مثل المجمع الكيميائي الذي كان يدر على الدولة في 2010 أرباحا بقيمة ألف مليون دينار ولم تعد له الآن أية أرباح، إلى جانب أن أغلب المؤسسات العمومية نتائجها سلبية ولا تساهم في الميزانية بل تمثل عبئا عليها. الحل إذا هو تحسين هذه الموارد باستعادة القطاعات المتعلقة بالثروات الوطنية.
أما عن الموارد الجبائية التي عبر عنها بالمساند الأول للميزانية فقد أكد أنها تضاعفت بنسبة 100 بالمائة (من 11 مليار دينار سنة 2010 إلى 22 ألف دينار سنة 2017 ) ونوه بالنظام الجبائي الذي اعتبره من مكاسب تونس وقال أن الجباية عرفت اصلاحات هيكلية لكن مرونتها وصلت إلى الأوج ونخشى من اضعاف المؤسسات في حالة الاطناب في توظيف الضريبة عليها. الحل الذي ارتآه يكمن في معالجة ظاهرة التهرب الجبائي التي لا يمكن أن تقاوم إلا بالتسلح بآليات التكنولوجيا العصرية ودعم نظام المعلومات لنمكن سلطات الرقابة من معرفة أكبر، أما اضافة المزيد من الضرائب فهي تمس من القدرة التنافسية للمؤسسات والقدرة الشرائية للمواطن.
2- مداخلة السيد رضا سعد الله – أستاذ في الاقتصاد بالجامعة التونسية سابقا – بعنوان مقترحات للمساهمة في معالجة الوضع الاقتصادي والاجتماعي على المديين القصير والمتوسط

بدأ بالتصريح بأن تونس بقدر ما نجحت سياسيا بقدر ما تعثرت في المجال الاقتصادي و الاجتماعي الذي ما انفك يسوء من سنة إلى أخرى مهددا بذلك مكتسباتها السياسية ونبه أننا نواجه معضلة ذات بعدين متلازمين مترابطين يغذي أحدهما الآخر. فضعف نسبة النمو يؤثر على القدرة على التشغيل ويجعل الدولة عاجزة على الوفاء باستحقاقات الثورة فتتفجر الاحتجاجات وتساهم في تعطيل الانتاج مما يتسبب في تفاقم المشاكل الاقتصادية. هذا التلازم للبعدين الاجتماعي والاقتصادي يحتم على الحل أن يكون حلا اقتصاديا اجتماعيا. وقبل طرح الرؤى للمساهمة في الحل أطنب في تشخيص الوضع الاقتصادي وإبراز مظاهر الأزمة في النقاط التالية:

–          ضعف صادراتنا للاتحاد الأوروبي الذي يشكو بدوره من ضعف نسبة النمو
–          عدم القدرة على التأقلم مع تحرير الواردات على اثر اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي
–          تدهور الوضع الأمني بسبب الهجمات الارهابية وعزوف السياح والمستثمرين على الوجهة التونسية
–          منافسة المنتوج التونسي بمواد مستوردة غير ضرورية
–          نتائج ضعيفة لمحاولة توسيع وجهات الصادرات
–          عدم القدرة في التحكم في نفقات الأجور بسبب الضغوطات
–          ضعف الموارد بسبب تعطل استخراج الفسفاط والغاز وعدم القدرة على التعامل مع الاحتجاجات
–          ضعف مردودية أملاك الدولة ومؤسسات عمومية خاسرة تمثل عبئا
–          التهرب الضريبي
–          عدم قدرة الدولة على استخلاص ما لها من حقوق على أشخاص أو مؤسسات
–          الحجم المتزايد للقطاع غير المنظم الذي لا يخضع للضريبة
–          التهريب والفساد
ثم بدأ بتعداد الحلول التي قال أنها متنوعة منها العميقة والجوهرية مثل اصلاح التعليم وتغيير منوال التنمية والانتقال إلى اقتصاد المعرفة بالتحول إلى تصدير سلع ذات قيمة مضافة عالية ومحتوى معرفي هام وهي حلول بعيدة المدى لا تفي وحدها بالغرض فنحن بحاجة الى اجراءات سريعة تؤتي أكلها قريبا لعلها تعطينا بصيص نور وتمثل اشارات ايجابية للمعطلين. كما حذر من الحلول التي تغفل الجوانب الاجتماعية لأن حظوظها في النجاح ضعيفة وبين أن الخبرة العلمية مطلوبة لوضع حلول فاعلة ولكنها غير كافية فيجب الاحاطة بتأثير الاجراءات ومدى قدرة أطراف من المعارضة على افشالها مؤكدا على أن التوافق على الحلول يكسبها مناعة كاملة.
وذكر من بين الحلول لتقليص عجز الميزان التجاري تحفيز عمالنا بالخارج على تحويل مدخراتهم إلى تونس، والعمل على مراجعة الاتفاقيات التجارية، والحد من الاستيراد بالحرص على التطبيق الصارم لقواعد المنشأ، والضغط على الدول الموردة للحد من المواد المستوردة غير الضرورية.

كما اقترح حلولا للتقليص من عجز الميزانية منها الحلول القصيرة المدى كتوسيع قاعدة الضريبة على الدخل عبر ادخال الرياضيين و المطربين ، والتدرج في تقليص النظام التقديري تمهيدا لإلغائه، واخضاع أرباح البنوك أو على الأقل الشريحة العالية منها لمساهمة خاصة، أما الحلول المتوسطة المدى فذكر منها الاصلاح الجبائي العادل والاعتماد على الضرائب المباشرة التصاعدية، والادارة الكفؤة للملكية العقارية للدولة بتحسين الوضعيات المالية للمؤسسات العمومية والتفويت في الغير الضرورية منها لإنجاز استثمارات جديدة، كذلك التخفيف من النفقات الاجتماعية بتسليم المجال الاجتماعي للقطاع التضامني المتمثل في مؤسسة الزكاة و الأوقاف التي اذا قمنا بمأسستها يمكن أن نوجهها الى التنمية في الجهات المحرومة أو تمويل المؤسسات الصحية و التعليمية. كما اقترح في اطار الحلول الاجتماعية انشاء مؤسسة صناعية كبرى في كل منطقة داخلية تكون قاطرة للاستثمار الخاص اذ لا يجب انتظار تحسين البنية التحتية لجلب المستثمرين، ونصح باستلهام تجربة واحة جلمة وختم باقتراح انشاء مشروع تكنولوجي في مجال الاعلامية يربط الشباب بمؤسسات أجنبية.

3- مداخلة السيد عياض اللومي – الرئيس الشرفي لهيئة الخبراء المحاسبين – بعنوان المعايير الدولية للمحاسبة الحكومية وحوكمة المالية العمومية

ذكر في مقدمة المداخلة أننافي مرحلة انتقالية وبصدد تفكيك منظومة قديمة تتسم بالفساد، في ظل مطلبية متصاعدة وفي إطار دولي متغير. وأن لدينا منظومة تشريعية ليست رديئة ولكنها لم تعد كافية فلا بد من التسريع في اعتماد المعايير الدولية في المحاسبة العمومية مع التدرج أي البدء بالوزارات المهيأة لذلك. من ذلك انشاء مركز مالي للدولة يقوم بإعداد القوائم المالية بطريقة عصرية وباعتماد القيد المزدوج حتى تكون لدينا محاسبة مبنية على معايير ودقة بما يحقق الشفافية ، كذلك اعداد ميزانية حسب الأهداف باعتماد مقاربة صفرية تحدد الأهداف وترصد الامكانيات ثم توجد الحلول. كذلك أكد على أن محاربة الفساد هي أولوية قصوى وأن تونس ملتزمة دوليا في اتفاقية محاربة الفساد وأن لديها قوانين تساعد على الشفافية مثل حق النفاذ للمعلومة وحق المجتمع المدني في التقاضي إلى جانب اللامركزية.

وأضاف بأن تغيير الاطار المرجعي للدولة واعتماد المعايير الدولية كآلية لترشيد التصرف في موارد الدولة ( وهو ما وقع اقراره من سنة 2012 ) يساهم في الشفافية ويدعم أجهزة المراقبة ( تدعيم دور مراقب الحسابات ودور محكمة المحاسبات ) ويضمن نجاعة التخطيط ويخفف الضغط الجبائي وختم بالقول أن تحديد الاطار التشريعي للمالية العمومية هو بوابة الانعاش.
تدخلات الحضور
محمد وجدي العايدي: محامي
شكر المتدخلين الذين قدموا كل حسب اختصاصه مقاربات مالية وفقهية ومحاسبية ولاحظ أن الحلول تكون منعدمة أو غامضة في غياب الرؤيا والتخطيط الاستراتيجي وأن كل الحلول المتبعة الآن هي مؤقتة لإدارة السلبيات والرداءة. كما أن رجل السياسة في تونس لم يقدم المثال الحسن الذي يمكن أن يحتذى به.
خالد عمار: مدير البحث العلمي للمجمع الكيميائي
علق على عجز الدولة على ايجاد الحلول لرفع القدرة التشغيلية بأن الحلول موجودة وأن لديه مشروع تقدم به من سنة 2012 لا يحتاج إلا لفضاء في كل ولاية فقط. تحدث عن تقلص الانتاج في قطاع الفسفاط وعبر عنه بأنه “ضحية المتفرج على صنيع الفاعل” . شدد على أن عقلية الأنا الطاغية تفتك بالاقتصاد مستشهدا بمثل الذين يتعمدون تعطيل نقل الفسفاط بالسكك الحديدية لتشغيل شاحناتهم وختم بوجوب ارساء المناهج في كل الادارات والبلديات وعدم الاكتفاء بالحلول التصحيحية.
أمين الطريقي:
قال أن تونس دولة كلها فساد تؤسس للبيروقراطية و لا تشجع على العمل. أكد على أهمية تنمية الموارد البشرية وبعث مشاريع للشباب.
علي سعيد: باحث
اتهم الخبراء المحاسبين بالتلاعب. عرج على الوضع الاجتماعي المفكك وسوء الاستهلاك الفادح للزكاة ونصح بالتصدي للتجارة الموازية عبر تسليط ضريبة ضعيفة على التجار.
بسام الجلولي
لا يتفق مع اقتراح التفويت في أملاك الدولة كحل ويقول أنها موارد مؤقتة. أثار مشكلة سوء توزيع الموظفين في الدولة والمركزية في العاصمة.
محمود قدورة: جمعية بيت الخبرة
ذكر حلولا لم يقع التطرق إليها وهي الاستثمار في قطاعات واعدة مثل التكنولوجيا الذكية والطاقات المتجددة واختلف مع المحاضر الذي اقترح انشاء مصانع كبرى للنهوض بالمناطق الداخلية وقال أنها جربت ولم تنجح.
عبد العزيز بلقايد:
انتقد نظامنا الجبائي القائم على التصريح واصفا إياه بنظام التهرب. وأرجع التفاوت بين التقديرات والانجازات إلى خطأ استراتيجي واقترح في التنظير الاعتماد على خبراء ومراكز دراسات مع الاستئناس بالإدارة
كما نصح بتوسيع قاعدة المطالبين بالضريبة، وبآلية الالحاق لمعالجة نقص الموارد البشرية بوزارة المالية إلى جانب دعم المنظومة الاعلامية والقانونية لوزارة المالية.
عبد الرزاق بن رمضان: موظف بوزارة المالية
رفض الحلول التي تخرج عن تغيير المنوال الاقتصادي واعتبرها تلفيقية و لا تذهب للهدف.
اقترح حذف صندوق الدعم وانتقد بعض الحلول المقترحة التي اعتبرها متناقضة مثل تمديد سن التقاعد والتحفيز على التقاعد المبكر أو مثل فرض مساهمة على أرباح البنوك الطائلة ودعم بعض البنوك من مال الشعب.
تفاعل المحاضرين
*السيد سليم بسباس تفاعل مع الملاحظات المذكورة ونفى وجود تناقض في الحلول المقترحة اذا وضعت في اطارها الكبير وقال أن الموضوع شاسع وعميق ومعقد. عرج على مسألة الدعم وذكر أن تونس ما بعد الثورة انخرطت في الالتزام الاجتماعي بصفة كبيرة وتخلي الدولة الكلي غير مطروح. عقب على نقد النظام الجبائي بأنه قائم على التصريح وقال أنه أيضا قائم على المراقبة التي يمكن دعمها بالتسلح بالوسائل التكنولوجية العصرية. كما اقترح تخفيض الضريبة على المؤسسات غير التجارية إلى 20 بالمائة والترفيع في الأداء على القيمة المضافة بزيادة نقطة مثلا لأن شركاؤنا في الخارج وصلوا إلى نسبة 21 بالمائة ملاحظا أننا في نظام مفتوح بحكم انخراطنا في إطار العولمة.
*السيد رضا قدم توضيحا فيما يخص التفويت في مؤسسات الدولة وقال أن القصد من هذا الحل ليس زيادة الموارد بل المحدد في التفويت هو نشاط المؤسسة فان كان تنافسيا فوتنا فيه للقطاع الخاص.

*السيد عياض نفى تهمة التلاعب عن الخبير المحاسب وقال أن دوره استشاري.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تقرير – ندوة مغلقة حول آفاق ومقترحات للخروج من الأزمة الماليّة والاقتصاديّة

  ندوة مغلقة حول آفاق ومقترحات للخروج من الأزمة الماليّة والاقتصاديّة الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 ...