تقرير – محاربة الفساد: حملة انتقائيّة أو إرادة حقيقيّة؟

نظّم مركز دراسة الإسلام والديمقراطيّة ندوة بعنوان: محاربة الفساد: حملة انتقائيّة أو إرادة حقيقيّة، وذلك يوم الاربعاء 12 جويلية 2017 بمدينة العلوم قاعة ابن خلدون بتونس العاصمة. وقد أثّث هاته النّدوة كلّ من السيد شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد، السيد نور الدّين البحيري عضو مجلس نواب الشعب عن حزب حركة النهضة والسيدة فضيلة القرقوري قاضية ورئيسة غرفة بدائرة المحاسبات.

وبعد الترحيب بالحضور الكريم، أكّد الدكتور رضوان المصمودي على أنّه لا يمكن أن يجمع المجتمع التونسي بين الفساد والدّيمقراطيّة، مشيرا إلى أنّه في حالة حرب مستمرّة على الفساد في إطار استراتيجيّة وطنيّة تتطلّب تظافر كلّ الجهود لضرب هاته الظّاهرة في العمق والانتصار عليها.

وفي بداية ورقته، أشار السيد شوقي الطبيب إلى أنّ الحكومات الّتي تعاقبت إثر الثورة تتحمّل جزء هامّا من المسؤوليّة لتراخيها في فتح ملفّات الفساد نظرا للزّخم السياسي في تلك الفترة. معتبرا أنّ سنة 2016 شهدت نوعا من الاستفاقة من قبل الحكومة التي اعتبرت أنّ محاربة الفساد تعتبر على نفس درجة أهميّة مكافحة الإرهاب. أمّا على مستوى التحديات، فقد ذكر السيد شوقي الطبيب أنّ الإدارة العميقة تتصدّى لكلّ محاولات الكشف عن حجم الفساد وشبكات الفاسدين حيث أثبتت تحقيقات الهيئة أنّ 90 % من الملفّات الّتي ترد إلى الهيئة تخصّ فساد الإدارة العميقة المستفيدة من العقود والصّفقات العموميّة. كما نوّه ببطء الجهة التشريعيّة في سنّ الترسانة القانونيّة المتعلقة بمكافحة الفساد، ففي 9 ديسمبر 2012 قدّم المجلس التّأسيسي في جلسة عامّة مقترحا حول الاستراتيجيّة الوطنيّة لمكافحة الفساد ولم تتمّ المصادقة عليه إلّا في 9 ديسمبر 2016، مؤكّدا في نفس السياق على أنّ التحدّي الرّاهن هو تفعيل الاستراتيجيّة وحسن تنفيذها. وعلى مستوى المكاسب، ذكر السيد شوقي الطبيب العديد من القوانين المتميّزة مثل قانون إحداث قطب قضائي مالي لمكافحة الفساد في نوفمبر 2012 ومشروع قانون التصريح بالمكتسبات وقانون حماية المبلّغين، وهو ما يدلّ على الدّور التاريخي الّذي قام به نواب الشعب ولكن الطلب الملحّ يتمثّل في دعم هاته الاصلاحات من قبل السلطة التنفيذيّة بالإضافة إلى أنّ مثل هاته القوانين يتطلّب حسن نفاذها مجموعة من النّصوص التطبيقيّة لتفعيلها. وقد أشار رئيس الهيئة إلى أنّ وضعيّة قضاة القطب تمنعهم من القيام بواجبهم الوطني على أكمل وجه لذلك يجب على الحكومة تعزيز قدارتهم على المستوى الأمني، على المستوى الفنّي وعلى المستوى اللّوجيستي. وفيما يتعلّق بالهيآت الدّستوريّة، اقترح الحكومة مشروع قانون يضبط مهامّ الهيآت الدّستوريّة التي اعتبرت مقيّدة، حيث قام نوّاب الشعب بمجاراة الحكومة في الحدّ من استقلاليّة الهيآت الدّستوريّة، علما وأنّه يجب أن يكون لكلّ هيئة دستوريّة نظاما أساسيّا وميزانيّة مستقلّة وذلك في إطار الوقاية من عودة الفساد. بالنّسبة للتّوصيات، شدّد السيد شوقي الطبيب على أنّ الإجراءات الّتي اتّخذها السيّد رئيس الحكومة يوسف الشّاهد تُمثّل خطوة أولى وهو ما تتطلّب جرءة وسياسة، يجب أن تليها عديد الخطوات من دون توقّف أو تردّد وذلك خوفا على سلامة المسار.

وفي بداية مداخلته، تعرّض السيد نور الدّين البحيري إلى أهمّية الهيآت الدّستوريّة في التصدّي للفساد مشدّدا على أن يكون ذلك في إطار مشهد سياسي منسجم ناتج عن وحدة الدّولة. و بالنّسبة للتحدّيات، أشار النّائب إلى تأثير نقص الإمكانيّات على مردود الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد فضلا عن نقص وعي العاملين فيها بمسؤوليّاتهم. حيث تمّ “تشريد” القضاة الّذين تمّ تكوينهم في مجال محاربة الفساد في مختلف البلدان الأوروبيّة، وإيكالهم مهمّات في دوائر أخرى كدائرة الاحوال الشخصيّة. نوّه السيد البحيري على أنّ التّاريخ التّونسي لم يشهد الحديث عن محاربة الفساد نظرا لارتباط الاستبداد وتحالفه مع شبكات الفساد فيما فيه السيطرة على السلطة والمال. وبعد الثّورة بدأ الحديث فعليّا عن الفساد وانقسم المجتمع التونسي إلى فئتين، فهناك من يرغب في معرفة الحقيقة والتصدّي للفساد وهناك من يشكّك في صدق الحملة والمقيمين عليها من أجل تأكيد عودته. وفي نفس السياق، أكّد السيد البحيري على وجود هشاشة في وعي المجتمع التونسي بأنّ الفساد خطر يهدّد الدّولة الدّولة ووجودها. وبالنّسبة للتّوصيات، شدّد السيد البحيري على أهمّية الوعي الجماعي بخطورة الفساد و ضرورة حضور الإرادة السياسيّة والمؤّسساتيّة والتحرّر من القيم السلبيّة والمخاوف. وعلى المستوى التّشريعي، أشار إلى ضرورة تفعيل قانون التصريح بالمكتسبات لتكتمل الصّورة بين الوعي المجتمعي بخطورة الفساد وحضور تشريع يُطابق المعايير الدّوليّة. وفي الأخير، أفاد السيد نور الدّين البحيري بأنّ هذه الحملة هي تعبير عن خيار سياسي للحكومة والأحزاب الممضية على وثيقة الحكومة الوطنيّة كترجمة لإرادة حقيقيّة فعليّة.

تعرّضت السيدة فضيلة القرقوري إلى أنّ الوقاية من الفساد تقوم على الثقافة المؤسّساتيّة، المراقبة والتعديل عن طريق الاتصال والابلاغ، برامج مكافحة الفساد، الأهداف الاستراتيجيّة وإدارة المخاطر. أشارت السيد القرقوري إلى أنّ دائرة المحاسبات هي هيئة داعمة للشّرعيّة وحسن التصرّف في المال العامّ حيث تحيل إلى النّيابة العموميّة كلّ الملفّات التّي يحوم حولها شبهة فساد. وذلك بالإعتماد على وجود علاقة تعاون بين محكمة المحاسبات ومجلس النواب ودائرة المحاسبات. حيث تهدف دائرة المحاسبات إلى تقييم التصرّف الإداري للهيآت وإلى التثبّت من مدى استجابيّتها لمتطلّبات الإدارة الرشيدة بالنّظر إلى مقتضيات الاقتصاد.

خلال النّقاش، أكّد الخبيرمحمد بن فاطمة على ظهور الفساد العلمي إلى جانب الفساد المالي والأخلاقي مشيرا إلى ضرورة إيلاء هذا المجال الاهتمام المجتمعي والاعلامي. كما اتّفق عدد من الحضور على أنّ الحملة التي قامت بها الحكومة يجب أن تشمل الفساد والفاسدين على حدّ السّواء. في حين أشار البعض الآخر إلى تعزيز دور الهيآت الدّستوريّة ودفعهم بمزيد من الآليات والمقوّمات.

وأثناء التفاعل، أشار السيد شوقي الطبيب على أنّه من أجل التصدّي للفساد يجب المحافظة على هيبة مؤسّسات الدّولة والحفاظ على مصداقيّة نوّاب الشعب بالإضافة إلى تعزيز دور دائرة المحاسبات في تقصّي مكامن الخلل. أمّا السيد نور الدّين البحيري فقد شدّد على تكوين ثقافة علويّة القانون للتمكّن من معاقبة الفاسدين والمتورّطيم معهم مشيرا إلى أنّ النّخب الفكريّة لم ترتق بعد إلى الارتقاء إلى مستوى اللحظة التاريخيّة. وفي نهاية النّدوة دعت السيدة فضيلة القرقوري إلى أنّ الحملة على الفساد لا يمكن أن تكون انتقائية ومحدودة في الزّمن بل يجب ان تكون مستمرّة وغير مقتصرة على هيآت معيّنة، فضلا على ضرورة القيام بحملات تحسيسيّة وتوعويّة للمجتمع لتتحدّد كلّ المسؤوليّات.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تقرير – أية علاقة للديمقراطية بالإسلام

  ندوة بعنوان: أية علاقة للديمقراطية بالإسلام التي انعقدت بنزل “سيفاكس” بصفاقس يوم الاحد 17/9/2017 ...