تقرير – منهج الإسلام في محاربة الفساد

 

مساهمة منه في التصدّي لظاهرة الفساد، نظّم مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة ندوة حول منهج الاسلام في محاربة الفساد، وذلك يوم الاربعاء 21 جوان 2017 بمقر مداد بمونبليزير بالعاصمة. وقد أثّث هاته النّدوة كلّ من السيّد بنعيسى الدّمني أستاذ في الفلسفة، السيد منير رويس مدير المعهد العالي لأصول الدّين والسيّد جمال الدّين دراويل أستاذ جامعي متخصّص في الحضارة الحديثة.

بعد التّرحيب بالحضور الكريم، أكّد السيد رضوان المصمودي على ضرورة تركيزالمجتمع لثقافة التصدّي للفساد، علما وأنّ مقاومته واجب دينيّ على كلّ مسلم.

وفي المداخلة الأولى، عرض السيد بنعيسى الدّمني منهج النبوّة في مقاومة الفساد مشيرا إلى أنّ الخطاب القرآني كان موجّها للرسول عليه الصلاة والسلام في سياق الالتزامات المجتمعيّة والتزامات إدارة الحياة على المستوى التاريخي والاجتماعي. حيث يقوم منهج النبوّة لمكافحة هذه الآفّة على أربع مقوّمات. أوّلا، على مستوى قيادة المجتمعات، من الأحرى أن يتنزّه أصحاب المسؤوليات الكبرى بالدّولة عن كلّ شبهة فساد وخاصّة الفساد المالي. ثانيا، المساواة أمام القانون بالنّسبة لعموم الجرائم وخاصّة تلك المتعلّقة بنهب المال العامّ. ثالثا، تركيز الشفافيّة وعدم التّسامح مع من انحرف بسلطته أو متّهم بشبهة فساد. رابعا، ضرورة تركيز تربية قد ترتقي إلى مستوى الثّقافة العامّة بحيث يكون قوام الاستقامة هي ملامسة العقيدة للضّمير لتتفوّق الاعتبارات الدّينيّة عن الاعتبارات المهنيّة. وفي آخر ورقته، تعرّض السيد الدّمني إلى جريمة الغُلول المذكورة في النصّ القرآني والّتي تعني إخفاء حقوق الآخرين ونهب المال العامّ بغرض الاستفادة الخاصّة.

أمّا السيّد منير رويس فقد تعرّض خلال مداخلته إلى مختلف الكتب الّتي يمكن الاستفادة منها لفهم ظاهرة الفساد وهي المعجم الفقهي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، كتب التاريخ، كتب الأدب وكتب الفقه والنّوازل. كما عدّد مختلف مصطلحات الفساد كالرّشوة، الظّلم، الخراب، الحرابة، التحيّل، إلخ….ومن خلال القرآن الكريم والسنّة النّبويّة، أشار السيد رويس إلى أنّ مظاهر الفساد تنوّعت كفساد الآلة وفساد الدّولة وفساد الأشخاص. كما تنوّعت مدلولاته بحيث نجد الفساد المالي، الفساد العقدي، الفساد الاجتماعي والفساد البيئي. و للتصدّي لظاهرة الفساد، أشار السيد رويس إلى العوامل التالية: دور العقيدة الصافية في وتقويم سلوك الانسان، ضرورة تكوين مرجعيّة دينيّة تقوم على فهم الانسان لحقوقه وواجباته، اعتماد آلية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لاصلاح المجتمعات وأخيرا تركيز آلية الحسبة.

وخلال المداخلة الأخيرة، أكّد السيد جمال الدّين دراويل على أنّ بوصلة الرّسالة الإسلاميّة تتّجه إلى جلب المصالح ودرء المفاسد، معتبرا أنّ مبدأ المراقبة والمحاسبة هو أصل من أصول العقيدة فضلا على أنّه مبدأ أساسي في المنظومة الدّيمقراطيّة. أشار السيد دراويل إلى أنّ المدوّنة الفكريّة التي تنطوي على المبادئ السياسيّة والتي تُعرف بالسياسة الشرعية والآداب السلطانية ونصح الملوك تركّز الطّاعة العمياء غير القائمة على المحاسبة بحيث قام فقهاء السياسة الشرعية بتضخيم صلاحيّات السلطان قصد التقرب إلى أصحاب السّلطة وهو ما يتنافى تماما مع سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام الّذي تعرض إلى المُحاسبة رغم صفته السياسيّة. وفي سياق ورقته، أكّد السيّد دراويل أنّ السلطة السياسيّة في المنظور الإسلامي هي سلطة مدنيّة خالصة وخير دليل على ذلك إرساء الاسلام لمبدأ الشّورى حيث جعلها القرآن الكريم ركيزة من ركائز الحكم (الآية 38 من سورة الشّورى)، معتبرا أنّ الطّاعة العمياء الخالية من المراقبة والمحاسبة هو “ضرب من ضروب الفسق” على حدّ تعبيره. وفي الختام، اعتبر السيد دراويل أنّ فقه المراقبة والمحاسبة فقه له جذوره في الفقه الاسلامي ومغيّب في كتب السياسة الشّرعيّة وهو ما يُعدّ أمرا غير معقول، لذلك على المسلمين بناء منوال في النّظر السياسي ينسخ ما جاء في كتب السياسة الشرعيّة.

 

 

خلال النّقاش، اتّجه جلّ الحاضرين إلى ضرورة استرجاع القيم الدّينيّة لوضع حدّ للفساد بكلّ تجلّياته. كما أكّد السيد كمال حجّام على أنّ الفساد يبدأ عند اختلال توازن العلاقة الثلاثيّة بين الله تعالى والانسان والأرض حيث أنّ الدّين جاء للاصلاح والتصدّي للفساد. في حين تساءل السيد مراد الرويسي حول المقاربات والآليات الاسلاميّة التي يجب اعتمادها في التعامل مع ظاهرة الفساد. وتفاعلا مع الحضور، دعا السيد جمال دراويل الجميع للاطّلاع على كتب العلامة محمد الطاهر بن عاشور الّذي اعتبر حرّية المجتمعات مقصدا من مقاصد الشّريعة الاسلاميّة. أمّا السيد منير رويس فقد سلّط الضّوء مرّة أخرى على دور العقيدة في تغيير الشعوب والدّول. وبالنّسبة للسيد بنعيسى الدّمني فقد شدّد على ضرورة التسريع في وضع استراتيجيّة وطنية لاردّ فعليّة، يساهم فيها الجميع ضمن مشروع مستقبلي يستند إلى تجديد الفكر، مع الابتعاد على الحلول الجاهزة. وللختام، نوّه السيد رضوان المصمودي بخطورة التقليل من شأن الأئمّة الّذين يلعبون دورا مهمّا في نشر القيم الاسلاميّة الخالدة.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تقرير حول اللقاء الشبابي “الشباب و الشأن العام”

في سياق المرحلة الانتقالية التي تعيشها تونس، وبالنظر للدور الرئيسي الذي يلعبه الشباب في دفع ...