تقرير – مكافحة الفساد: الإفلات من العقاب، أسبابه و نتائجه

 

نظّم مركز دراسة الإسلام و الديمقراطية ندوة حول مكافحة الفساد: الإفلات من العقاب ،أسبابه و نتائجه، يوم الخميس 2 مارس 2017 بتونس العاصمة. وقد حضر النّدوة كلّ من السيد شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، السيدة يمينة الزغلامي عضو بمجلس الشعب عن حزب حركة النهضة، السيد كريم الهلالي عضو مجلس الشعب عن حزب آفاق تونس والسيد عياض اللومي أمين سر المنظمة العربية للشفافية ومحاربة الفساد.

استهل السيد رضوان المصمودي الندوة مرحبا بالحضور و مشيرا إلى أنّ الثورة التونسية قامت ضدّ الفساد ومنظومة الاستبداد، لكونها أوليّة لتحقيق كرامة كل التونسيين. واعتبر أن معركة الفساد مازالت قائمة، حيث أثبتت تقارير المنظمات الدّوليّة أن الفساد تفشّى بسرعة بعد الثورة، لذلك من الضروري التصدّي له ومعرفة أسبابه ومعالجة نتائجه حفاظا على استقرار الإستثمار، وهو ما يحتاج إلى ثقافة شعبيّة ترفض الفساد والانخراط فيه، ترسانة من القوانين الزجرية والعقوبات الصارمة، منظومة قضائية وأمنيّة خاصّة  بمنظومة الفساد، وأخيرا إرادة سياسية قويّة وراسخة لدى الحكومة والمجتمع المدني يجعل هذه القضية مسألة وطنية ومركزية.

و في بداية مداخلته، أكد السيد شوقي الطبيب على أنّ محاربة الفساد مسألة وطنية تهمّ كافة مكوّنات المجتمع، وهي ظاهرة موروثة لنظام قائم على الفساد. ومن أهم تجليات هذه المنظومة هو الافلات من العقاب وتبريره قانونيا. فمن بعد الثورة لم يتم تفكيك هذه المنظومة اللاقانونية حيث أعادت التشغيل وعمل عليها أطراف آخرون، على الرغم من تغيير أعلى هرم السلطة ومعاقبة عائلة الرّئيس بن علي. كما تعرض السيد شوقي الطبيب إلى أسباب الإفلات من العقاب. أوّلا، لم تقم الأحزاب بالسعي إلى تفكيك هذه المنظومة، بل استفاد البعض منها أو من منظريها، فلا نسمع لهم صوتا عاليا حول الفساد.

حاولت لجنة الحقوق والحريات والشؤون الخارجية نقد الحكومة واعتبرت أداءها دون المأمول حول مشروع قانون المبلّغين عن الفساد.

ثانيا، يشكل القضاة السلطة القضائية التي  أنهكت نتيجة النظام السابق الذي اعتمد بدوره على الإعلام، الأمن ،القضاء ورجال الأعمال كأعمدة  لمنع وتهميش الحرية. ومما عكّر وضعها هو تردّد الحكومات في اتجاه منحها الاستقلالية التامة لمكافحة الفساد. علما وأنه لا يمكن مكافحة الفساد بنظام قضائي منهك وغير مستقل ماديا ولوجيستيا.

كما ذكر السيد شوقي الطبيب وجود أربع هيآت قضائية غير مستقلة و هي هيأة الرقابة تحت إشراف رئيس الجمهورية وهيأة الرقابة تحت إشراف الوزير الأول وأخرى تحت إشراف وزير المالية وأخرى تحت إشراف وزير أملاك الدّولة، وهو يعتبر خطيرا وله تبعات سلبية عن دورها الرقابي ومصداقيتها في التصدي لهذه الظاهرة.

علما و أن ميزانية هذه الهيآت تقدر بـ15 مليار وتراقب أعمال بمليارات الدينارات وهو لا يعدّ معقولا بتاتا. فيما يتعلق بالنتائج ،أدت ظاهرة الفساد إلى عجز اقتصادي، ارتفاع نسبة المديونية، خسارة 800 مليون دينار في تهريب المواد المدعّمة، خسارة 500 مليون دينار في مجال الأدوية علما وأن على 100 تجاوزا، يحرّر محضر واحد في بعض الأحيان.

وعلى مستوى الرشاوي في القباضات، تقدر خسارة الدّولة بثلاث آلاف مليار. أكد السيد شوقي الطبيب على ضرورة الإصلاحات، مثل دمج المنظومات المعلوماتيّة لكافة أجهزة الدّولة للتصدّي للرشاوي والثراء بدون موجب شرعي، وتمكين الهيئة من تتبع الخروقات. وعلى مستوى الرأي الوطني، أشار إلى أن الجميع واع بالفساد وبضرورة التصدّي له، مما حرك الإرادة السياسيّة التي كانت منقوصة فوُضع قانون النفاذ للمعلومة، مشروع التصريح بالمكتسبات، قانون رفع السرّ البنكي،…الخ. دعا السيد الطبيب إلى ضرورة إعادة توزيع الوظيفة العمومية، وتعزيز الرقابة على الإدارات العمومية (القباضة، الدّيوان) وتعصيرها، وهو ما يتطلب شجاعة أدبية وسياسة من كافة الأطراف.

و في نفس السياق، ثمن السيد كريم الهلالي جهود المركز في التركيز على هذا المجال وأشار إلى أن الوضع تفاقم مقارنة بما قبل الثورة، علما وأن الفساد زمن نظام بن علي، كان مؤطرا ومقتصرا على  أطراف معينة على مستوى الصفقات عمومية والتهريب، بحيث يوجد شبه اتفاق مع بارونات التهريب مع المقربين من العائلة الحاكمة، ولا تتجاوز ولاية مدنين، فكانت التجارة الموازية لا تتجاوز 20 أو 25%. وبعد الثورة تفاقم التهريب وتعدّد المهرّبون، وبلغت التجارة الموازية 50% في مجال السلاح، المخدرات والأشخاص، وضعفت الدولة، وتفاقم الفساد بطريقة مهولة، وأصبح مشكلا وطنيا يتطلب حلولا عاجلة كمقاومة قانون الإثراء غير المشروع الذي يجب أن يفعّل، لأن الفساد يضرب الاقتصاد الوطني في العمق.

أكّد السيد كريم الهلالي أن الإرادة السياسية ترجمت في الاتفاق على الحرب على الفساد من خلال وثيقة قرطاج. و فيما يتعلق بالحلول، أكد على ضرورة دمج هياكل الرقابة في وزارة واحدة، وأن تشتغل بأكثر فعاليّة، علما وأنّ مقاومة الفساد لا يقتصر على الهيئة فقط. فعلى القضاء تجاوز صعوبات إعادة الهيكلة و التوزيع (1500 ملف قضايا فساد ،تقارير اختبارات واختبارات مضادة، والقضاة غير متكوّنين في الجريمة المالية. كما أن دائرة المحاسبات والتي ستصبح محكمة المحاسبات، وهي جهاز رقابي يمتد على كامل المالية العمومية، لا يمكنها البت سوى بنسبة 4 أو 5% فقط لمحدودية إمكانياتها المادية واللوجستية. كما أشار إلى دور السلطة التشريعية التي يجب أن تسنّ القوانين بأكثر سرعة وأكثر تقنية، علما وأن الإدارة التونسية كانت تساهم في صيغة القوانين ممّا يسهل عمل مجلس النواب ولكن اليوم تخلصنا من هذه الآلية ممّا عطل عمل المجلس. ضرب السيد كريم مثال شركة اسمنت قرطاج التي نشأت من رحم الفساد. و الدولة تملك 42% من رأس مال هذه الشركة التي تنتج 2 ملايين طن اسمنت في السنة، وتشغل 200 عونا وبعد الثورة تشغل 8888 عونا. بلغت الطاقة الانتاجية 12 مليون طن  في حين يطلب السوق الإقتصادية 7 مليون طن و تبقى باقي الكمية في المخازن وهو ما تتحمل مسؤوليته حكومات ما بعد الثورة.

و كذلك أشار إلى موضوع دعم السكر من قبل الدّولة، فالشركات الصناعية تستعمل في السكر المدعم وهو يعد تجاوزا قانونيا ممّال كلف الدولة خسارة بلغت 150 مليون دينار. كما أكد على أن الجزء المهمّ من الفساد جاء من تمويل الأحزاب السياسية المريبة. فقد اضطرت العديد من الأحزاب إلى “تسوّل رجال الأعمال”، ممّا أدّى إلى حماية رجال الأعمال والتسترّ على تجاوزاتهم القانونية. لذلك يجب التصريح بمصادر التمويل للحد من الفساد، علما وأن عديد الديمقراطيات حدّت من التدخل بأموال القطاع الخاصّ في الحياة السياسية. و في أخر مداخلته، أكّد على أن الحرب على الفساد واجب المواطن والمجتمع المدني بما أنّها حربا طويلة المدى، تتطلب التصدى لها من قبل الصحافة الاستقصائية لكشف المستور.

أكد السيد عياض اللومي على ضرورة تقييم مسار محاربة الفساد المتعثر نتيجة عدم النجاعة في تفكيك شبكات الفساد. فالتنظيم الإجرامي للدولة يقوم على رئيس العصابة وهو رئيس الدولة وتطويع السلطات الثلاث لصالح أفراد العصابة التي تعد مربوطة بلوبيات دولية. و أشار إلى أن منوال التنمية الحالي يضرب القطاعات المنتجة ويثقل ميزان الدفوعات ويستفيد منه أطراف عديدة. ويصاحبه منظومة تشريعية على مستوى الامتيازات الممنوحة وعلى مستوى الخروقات الدستورية. و من بين قضايا الفساد تعرض إلى ملف الخوصصة الذي يجب أن يكون من أنظار مجلس الشعب، غير أن المنشآت العمومية تصفى بأمر.

كذلك تكوين شركات وهمية تدخل السوق على شكل مستثمر، ويتمّ الانتفاع بالأموال وفي الصفقات العمومية، السيد حامد مليكة كان يعطي القرارات بإمضاء رئيس الجمهورية، ويتمّ إسناد الرخص في قصر الرئاسة. واعتبر أن المعضلة الكبرى هو أنّ العديد من القضايا لم تكشف بدعوى أن الثّورة سلمية وتسعى للمصالحة ولكن هذا لا يمنع تجميع كل التجاوزات وإثبات طريق الأموال المنهوبة في إطار العدالة الانتقالية.

كما يجب العمل على اللامركزية، وهي مرحلة فرز حقيقي في المسار الثوري وتفويض حقيقي للسلطات. وأكد السيد عياض اللومي على أن هذا الباب هو محل شيطنة ممنهجة مما عطل الانتخابات المحلية، لأن الفساد متعلق بمنوال تنمية لم يتغير منذ القديم. ودعا إلى ضرورة تطبيق الدستور لمحاربة الفساد وتفكيك المنظومة، في إطار ثورة سلمية للعقول.

أشارت السيدة يمينة الزغلامي إلى انعدام الرقابة على اللجان القطاعية التي تتصرف في المال العام في إطار متابعة المشاريع في الولايات علما وأن الأجهزة التنفيذية هي التي تراقب. كما أكدت على أن الفساد أصبح ثقافة مرسّخة، وأصبح الإفلات من العقاب حاصل بموجب تلك الثقافة. فبعد الثورة، أنجزت مسائل نوعية، كسنّ قوانين تتصدى للفساد في القضاء والإدارة. ولكن الديمقراطيين اعتبرتها قوانين جنونية، وقامت السلطة التنفيذية بإعفاءات عديدة، ممّا حصلت خيبة لدى الفئة المؤمنة بالثورة ومبادئها. وفي إطار العدالة الانتقالية، ثم إدماج قضايا الفساد المالي، ولكن هناك رفض من الديمقراطيين الذي يدعون إلى الاقتصار على قضايا التعذيب فقط. اعتبرت السيدة يمينة الزغلامي أن مكافحة الإفلات من العقاب ومكافحة الفساد، تتطلب مراقبة دائمة ومستمرّة ومحاربة ثقافة الفساد و ترسيخ ثقافة بديلة عن طريق حملات ضغط وحملات مناصرة من قبل المجتمع المدني وكافة مكوّنات المجتمع، لتركيز الشفافيّة.

خلال النقاش، أشار السيد رضوان المصمودي إلى أن كثرة الهيآت واللجان هو الذي خلق نوعا من الضبابية في تطبيق القانون كما تساءل عن مآل الملفات التي أحالتها الهيأة الوطنية لمكافحة الفساد على القضاء . وقد تساءل عديد المتدخلين عن سبب عدم تنفيذ الأحكام القضائية الصّادرة ضد بعض الموظفين العموميين و تداعياته على المسار الإنتقالي.

كما أشار أحد المتدخلين إلى أنه لا يمكن للمجتمع المدني أن يتصدى بنفسه منظومة الفساد حيث يجب أن تتحمل كل الحكومات والسياسيين مسؤوليتهم في تفشي هذه الظاهرة وعدم التصدي لها.

مشاهدة تسجيل الندوة

 

 

www.csidtunisia.org

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ندوة بعنوان: نحو برامج تعليميّة تبني المواطنة وتدحض التطرّف

  ندوة بعنوان:  نحو برامج تعليميّة تبني المواطنة وتدحض التطرّف يوم السبت 03 جوان 2017 ...