تقرير – محاضرة حول أهمية الفكر الغاندي في القرن الواحد و العشرين

في إطار سعيه لنشر ثقافة السلام والحوار، نظم مركز دراسة الإسلام والديمقراطية محاضرة حول أهمية الفكر الغاندي في القرن الواحد والعشرين، يوم الإثنين 30 جانفي 2017 بمقر مداد، وذلك بالتعاون مع سفارة الهند.وقد قدم المحاضرة الدكتور دارويش قوبال، أستاذ محاضر للعلوم السياسية في الجامعة الهندية ورئيس مركز غاندي لدراسات السلام.

وفي أول مداخلته، شكر الدكتور دارويش المركز على الدعوة وعلى اهتمامه بالفكر الغاندي الذي ساهم في إنهاء الصراع في العديد من مناطق العالم وإحلال السلم في مجتمع دولي لا يحترم الحدود مؤكدا على أنَ مهمة الإنسانية اليوم هي مواصلة درب غاندي و نشر مبادئه ليكون مثالا يحتذى به من قبل الملايين وفي ظل العنف المنتشر و الإرهاب المتفاقم، تزداد حاجة الإنسانية إلى الفكر الغاندي لمواجهة هذا النسق المتصاعد من العنف من خلال آليات لإحياء السلام و كيفية بنائه.فكيف يمكن للبشرية تكريس القيم الإنسانية و نبذ أي نوع من أنواع العنف الذي دمَر البشرية جمعاء؟ اعتبر د. راويش أنً من الضروري اليوم التطلع إلى تاريخ الهند للتعمق في تلك الحضارة المتجذرة التي تسودها قيم السلم والتسامح. كما أنَ الفكر الغاندي كرَس فكرا عالميا كونيا متخطَ للحدود وذلك لتأثره بالواقع المحتدم الذي سادته الانقسامات. من خلال رسالته، أصبح غاندي مفكرا عالميا لتركيزه لدين جامع لجميع الأديان في العالم بحيث أن من ركائز التوحيد هي خدمة البشرية والمساواة بين البشر.فلقد أصبح اعتماد الفكر الغاندي اليوم أهمَ من أين وقت مضى لمواجهة العولمة التي تكرس العنصرية من أجل بناء عالم متكامل متَحد غير متناحر. كما أكَد على وجود قوى خارجية تضعف إحلال السلم في العالم وتكرس الميز العنصري. ففي جنوب إفريقيا، استطاع غاندي تغيير وضع الشعب الجنوب إفريقي من دون اللجوء إلى أساليب العنف. قبل طلب الاستقلال، بدأ الشعب الهندي بالتعافي تدريجيا والسعي نحو تحقيق وحدة اجتماعية.فتم تحرير المرأة وجمع الفقراء تحت قيادة رشيدة لا تلجأ للعنف وذلك لمجابهة الاحتلال البريطاني الذي كان يمارس العنف خوفا من خسارة موقعهم. ففلسفة اللاعنف هي فلسفة صلبة وقوية بحيث تكمن قوة المهاتما غاندي في التوفيق بين فكرتين قد تبدو متناقضتين. ومثال على ذلك أنه قام بإلغاء كل مظاهر التمييز ضد المرأة بالاستناد إلى مبدأي العدالة والمساواة. ومن تجليات نجاح منهجه التفاف الملايين من النساء حول فكره المستنير وعندما حصل الاستقلال استطاعت المرأة ضمان حقها في الاقتراع والترشح للمناصب السياسية. وفي نفس الوقت، ركَز غاندي على معاملة الهنديين على قدم المساواة فخصص ميزانية هامة ليتمتعوا بحقهم في التعليم. وفي ختام مداخلته أكد السيد دارويش على أن العالم وصل إلى مفترق طرق، فإمَا اتباع سبل العنف والدمار أو السير في طريق التعايش واللاعنف. وفي هذا المفترق تتحدَد ملامح العالم المستقبلي. كما نوَه إلى أنَ العالم اليوم يواجه تحديات جسام كالإرهاب الذي يتطلب سياسة صلبة  و وضع استراتيجية عالمية و ليست محلية.

وإثراء للحوار، أفاد الدكتور محمد الرحموني (أستاذ الحضارة) على وجود الكثير من السمات المشتركة بين الهندوسية والإسلام وقد أثبت التاريخ العلاقة الوثيقة بينهما. أوَلا، بدأت العلاقة بين الهندوسية والإسلام منذ خلق آدم الذي نزل بالهند في حين نزلت حواء بجدة. ثانيا، اشتراك كل منهما في قصة الفيل الهندي علما وأن رسول الله ولد عام الفيل. ثالثا، من بين أربع أمم التي سبقت الإسلام وآمنت به هو الشيخ الهندي بيرستون. كما أشار د. محمد إلى رحلة البيروني الذي يعدَ من الأوائل الذين قدموا صورة موضوعية عن الهند والتي أبرزت العديد من السمات المشتركة كتحريم الزنا المتفق مع الإسلام. رابعا، خلال مرحلة حكم المغول وفي عهد السلطان الأكبر أصبح للإسلام خاصية مميزة في الهند، ممَا أنتج بروز طائفة السَيخ تجمع بين الإسلام والهندوسية. خامسا، شخصية محمد إقبال الذي يفتخر به كل من الهند وباكستان. كما أكَد د.محمد على أنَ مفهوم الثورة بالمعنى التقليدي انتهى ومن الضروري اعتماد الفلسفة الغاندية في المقاومة السلمية لأن العنف يقوي الدكتاتورية ويعزَز من استمراريتها.

اما السيد أحمد ونيس (سفير سابق ووزير خارجية سابق) يرى أن غاندي لقب بهذا الإسم (المهاتما) بفضل نضاله في سبيل الحرية والكرامة علما وأنه صاحب رسالة إنسانية وكونية غير مقتصره على بلده. كان غاندي أول من رفع صوته للتنديد ضد الميز العنصري الذي كان مسلطا على الشعب الجنوب إفريقي اعتبارهم عبيدا من قبل البريطانيين والهولنديين كما أشار إلى أنَ القارة الإفريقية مدينة لهذه الشخصية بسموَ أخلاقها. والزعيم نيلسون مانديلا واصل طريق المهاتما غاندي في نشر رسالة المقاومة السلمية ورغم معاناته من اضطهاد الدولة العنصرية في جنوب إفريقيا، إلَا أنَه رفض استعمال العنف ضد الأقلية البيض الذين حكموا البلاد أكثر من 100 سنة. أمَا بالنسبة لتونس، فإن إنشاء هيئة الحقيقة والكرامة تدلَ على تحقَق التطوَر الذاتي للفلسفة الغانديَة في بلادنا وبخصوص القضية الفلسطينية فالاحتلال الإسرائيلي، لا يمكن التعامل معه دون اللجوء إلى العنف إلَا إذا تحقق شرطين. أوَلا، يجب التضامن العالمي المطلق والكامل والاعتراف بالدولة الفلسطينية كاملة الحقوق ونكران التصرفات الاستعمارية وانتهاك الحقوق. ثانيا، عدم الالتزام بأخلاق سياسية سامية واحترام حقوق الشعب الفلسطيني.و في حال انعدام أحد الشرطين، لا يمكن تحقيق فلسفة المقاومة السلمية بالنسبة للشعب منتهك الحقوق الذي يطالب بتحقيق كرامته. وبالتالي لا يمكن إلا تأييد سبل المقاومة الفلسطينية.
ولمزيد من التفاعل، طرح السيد عليَة العلاَني (أستاذ جامعي) بعض الأسئلة على الدكتور المحاضر.كيف سيتمَ التعامل مع طالبان؟ هل يعدَ امتلاك الهند للقنبلة النووية من أجل دعم السلام أو التصدي إلى العنف؟ ماهي القوى الخارجية التي تضعف السلام؟ كيف يمكن تقليص الهوة بين الأغنياء والفقراء؟ ماهي نسبة الفقر في الهند؟ ماهي سبل التعايش في بلد متعدد الأديان كالهند، هل نتحدث عن ميثاق وطني أم وسائل أخرى؟ وأخيرا، هل يمكن القيام بعلاقة شراكة بين المؤسسات العلمية الهندية والتونسية؟
واثناء الرد على جل التساؤلات أكَد د.دارويش على أنَ الفكر الغاندي لم يقتصر على المجال السياسي فقط بل شمل قطاعات أخرى، فأثناء الاحتلال البريطاني قاطع غاندي الملابس المصنعة من قبل البريطانيين وخاط الملابس بنفسه واتبعه غالبية الشعب الهندي فأصبح عملا وقطاعا صناعيا متطورا. واصبح هذا المنهج اللبنة الأولى لكل الخطط لمختلف الصناعات(الزراعة/الصناعة/..)و ان انهيار الاتحاد السوفياتي لم يؤثر على اقتصاد الهند الذي استطاع رفع التحديات و الدخول في الاقتصاد العالمي والاندماج في المجتمع الدولي والدليل على تطورها هو ترتيبها كعاشر أكبر دولة في العالم. كما أشار إلى أنَ دولة الهند تختلف عن جيرانها في نقطتين. أوَلا، فالهند لا تعتمد سياسة سريعة الخطى على عكس الصين. ثانيا، تختلف الصين عن روسيا فهي ليست دولة الحزب الواحد الذي يعتبر عرضة للانهيار. ونتيجة حتمية لاعتماد الفكر الغاندي في المساواة وتكافئ الفرص بلغت نسبة النساء في البرلمان 33% ويمكن أن تكون النسبة النسوية البرلمانية أهمَ خلال الانتخابات القادمة. ونظرا لتمتع الفلاحين بكامل حقوقهم، استطاعوا إنقاذ الهند خلال حرب الخليج من تدهور الاقتصاد. فكانوا صمَام أمان وساهموا في تحقيق الإكتفاء الغذائي الذاتي.
في الختام أكد د.دارويش على أنَ الهند دائما تسعى إل تحسين العلاقات التي تربطها بالعالم الإسلامي لأنَ منذ حكم المغول تم انصهار المغوليين داخل الحضارة الهندية. وكل ذلك في إطار سياسة عدم الانحياز مع الإبقاء على المصلحة الوطنية كما دعا إلى تخليد ذكرى غاندي وتعليم فكره للنَشأ بالإضافة إلى تدريس الديمقراطية في كل المناهج الدراسية من أجل تكوين مجتمعات تحترم حقوق الإنسان.  
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تقرير – أية علاقة للديمقراطية بالإسلام

  ندوة بعنوان: أية علاقة للديمقراطية بالإسلام التي انعقدت بنزل “سيفاكس” بصفاقس يوم الاحد 17/9/2017 ...