تقرير – ندوة بعنوان: أي مصير للعائدين من بؤر التوتر؟

نظَم مركز دراسة الإسلام و الديمقراطية ندوة تحت عنوان “أي مصير للعائدين من بؤر التوتر” يوم السبت 7 جانفي 2017 بمقر المركز. و قد أثَث الحوار كل من السيد لطفي النابلي مساعد رئيس مجلس النواب مكلَف بالتصرَف العامَ ، السيد سمير ديلو عضو مجلس نواب الشعب عن حزب حركة النهضة، السيدة فاطمة المسدَي عضو مجلس نواب الشعب عن حزب نداء تونس والمحامي سيف الدين مخلوف.
افتتح اللقاء السيد نبيل اللباسي الذي رحب بالضيوف وتطرق إلى ضرورة إعادة النظر في تقسيم المشهد السياسي و تباين المواقف حول عودة التونسيين من بؤر التوتَر و ذلك بدراسة الجانب القانوني الوطني و الدولي لهذه الوضعية الشائكة.

المداخلة الأولى كانت للسيد لطفي النابلي الذي أكد أنَه لا يوجد تضارب بين القائلين بقبول عودة التونسيين والقائلين برفض عودتهم، لأنَ المحاسبة القضائية لن تكون بصفة جماعية بحيث يكون لكلَ شخص ملف معين يبتَ فيه. كما أشار إلى أنَ الدستور ينص على عدم منع أي تونسي من العودة إلى تونس مهما كانت جرائمه و ينص كذلك على إمكانية سحب الجنسية من مواطن رفع سلاحه ضدَ الدولة التونسية أو انتمى إلى جيش حارب الدولة التونسية. وبالتالي على القضاء إثبات ضلوع العائدين من بؤر التوتر في مثل هذه الأعمال و تسليط العقوبة المناسبة وعلى ضرورة تركيز منظومة الأمن الشامل بحيث تكون حماية المواطن هي الحلقة الرئيسية بين التونسيين العائدين و المقيمين، لأنَ الذين اتجهوا إلى بؤر التوتر كانوا ينتمون إلى عائلات سياسية حاضنة لهذا الفكر. كما أشار إلى أنَ المنع لن يأتي بالحلَ لأن العائدين يمكنهم الدخول إلى الأراضي التونسية بجوازات سفر أجنبية أو خلسة من الحدود المجاورة(الوضع الأمني في الجزائر و ليبيا متدهور) رغم القيام بالسدَ الترابي و الرقابة الإلكترونية على الحدود الليبية. لذلك يجب تفادي بعض الثغرات (مثل الذي حدث في بن قردان) في إطار التعاون الكامل بين مؤسسات القطب الأمني التونسي و لكن هذا لا ينفي تزايد المخاطر الإقليمية و الدولية. وعلى مستوى السجون، يجب الحدَ من خطر المساجين الإرهابيين عند اختلاطهم بالمساجين أصحاب الجرائم الصغيرة و ضرورة التفرقة بينهم مع العلم أنَ السجن التونسي يحتوي 300 % من طاقة استيعاب السجون و هذا في حدَ ذاته يمثَل خطرا كبيرا.كما يجب على الدولة التونسية اتخاذ التدابير اللازمة ضدَ كل من تثبت الأبحاث القضائية تورطه في أعمال إرهابية و الابتعاد عن سياسة النعامة و رمي المسؤولية على المجتمع الدولي.

المداخلة الثانية كانت للسيد سمير ديلو الذي اكد فيها على أنَ التعاطي مع القضايا الأمنية الكبرى لا يتمَ بهذه الطريقة كتحزيبها و تسييسها ممَا يضيع الجواب فى خضم المزايدات ويؤدَي إلى مفعول عكسي يدخل في إطار تضليل العدالة على حدَ تعبيره.(في خطاب لأحد أعضاء النقابة الأمنية استعمل عبارة صوملة تونس في المستقبل. فأصبح في ظرف 24 ساعة عنوانا بارزا في إحدى أكبر الصحف الفرنسية).لذلك يجب تحرير القضية وفهم عوامله. أوَلا، يجب تحديد عدد العائدين من بؤر التوتر حسب الأرقام الرسمية لأجهزة الدولة التي تعمل بأسلوب التقاطع مع الأجهزة الأجنبية الذي يبلغ 2929 شخصا.ثانيا، صنَف هؤلاء الإرهابيين حسب تقارير استخباراتية تونسية و أجنبية إلى قيادات عسكرية عليا و أخرى وسطى و قيادات إفتائية.ثالثا، إشكالية العائدين تحيلنا إلى قضية تهريب السلاح المتوفرة في تونس و قضية الخلايا النائمة بحيث تقدَر نسبة المحجوز بنصف المتواجد على الواقع. وفيما يتعلق بالإشكالية المطروحة هل يمكن سحب الجنسية و هل من المفيد سحبها؟ماهو الحلَ المناسب؟ و ما مدى القدرة على تطبيقه؟

فإجابته كانت انه لا يمكن للدولة التونسية عدم استرجاع أبنائها لارتباطها بمعاهدات دولية و بنودها، علما و أنَ الجنسية لا تهمَ الإرهابيين الذين يعتبرون الحدود السياسية الحالية حدودا وهمية ومصطنعة وضعت من قبل الاستعمار.و بعد هذا التوضيح أكَد السيد سمير ديلو على أنَ المشكل الحقيقي ليس سحب الجنسية أم لا وإنَما كيف سنتعاطى مع عودة هؤلاء الإرهابيين علما و أن في فرنسا، أثبتت عشرات الدراسات ضرورة التمييز بين مستعمل السلاح و المتواجد فقط في بؤر التوتر ؟هل سنبقى نتبع التعاطي الأمني و العسكري للمشكل الذي يعد ضروريا و غير كاف. فماهي الأسباب التي تدفع بشبابنا إلى الفكر المتطرف؟و هل لدينا الإمكانيات الكافية من موارد مالية و بشرية للعمل على الجانب النفسي لهؤلاء وتصنيفهم حسب درجة خطورتهم؟  و في هذا الإطار، قدَم السيد سمير ديلو الحلول الممكنة. أوَلا، ضرورة إدارة الحوار بشكل بنَاء  بعيد عن التوظيف و احترام التخصَص. ثانيا، توفير الإمكانيات البشرية و المادَية و اللوجيستيَة لحماية السفراء بالخارج، و لإصلاح الإدارة العامَة للسجون و الإصلاح و توفير التأهيل للإرهابيين من قبل الخبراء حتى لا تكون السجون حضانة لتفريخ الإرهاب.ثالثا،توفير الإمكانيات لضمان مرافقة و متابعة الأفراد الذين يشكَلون خطرا و لم يحكم عنهم بالسجن في إطار احترام حقوق الإنسان(حسب خبير فرنسي تتطلَب مراقبة شخص لمدَة 24 ساعة ما بين 10 و 15عون )،أمَا بالنسبة للمغادرين للسجن يجب ضمان عدم تكوينهم خطرا على المجتمع. رابعا، ضرورة مكافحة الاستقطاب والتواصل عبر الفضاء غير الواقعي. خامسا، ضرورة التركيز على العائلات وتحسيسهم بأهمية دورهم في التصدي للتغيرات السلوكية التي يمكن أن تطرأ على الأبناء. سادسا، الإشارة إلى مساهمة الإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية والتربوية والرياضية في الوقاية من التطرف وعلاجه. سابعا، تطبيق القانون واحترام الدستور والقضاء تحت رقابة الإعلام والمواطنين والمجتمع المدني.

 

 

 

 

المداخلة الثالثة كانت للسيدة فاطمة المسدَي التي ترفض عودة الإرهابيين وتدعو إلى سحب الجنسية منهم. وقد أشارت إلى أن تسمية الإرهابيين بالعائدين يعدَ استفزازا في حدَ ذاته، مؤكدة على أن هؤلاء غادروا البلاد التونسية وهم واعون بأفعالهم واختاروا الانضواء تحت راية أخرى و اتباع قوانين مخالفة لحقوق الإنسان.و قد أشارت إلى أنَه يمكن أن تكون كل من الجزائر و تونس  بؤرا لتوتر في المستقبل لأن داعش في حرب معلنة مع كل دول العالم. لذلك لا يمكن أن يربط المجتمع التونسي بهؤلاء الإرهابيين أي صلة.و أكدت أن الخبراء النفسيين أكدوا على أن هؤلاء ليسوا بمرضى على الإطلاق. و صنفت السيدة فاطمة المسدَي العائدين من بؤر التوتر إلى ثلاث أصناف:أوَلا، الذين بايعوا تنظيم داعش واعترفوا بالدولة الإسلامية. ثانيا، الذين يحاربون في تنظيمات أخرى كجبهة النصرة وهؤلاء يطبق عليهم قانون الإرهاب مشيرة إلى أنَه لا يتمَ ذلك إلا بإرجاع العلاقات مع الدولة السورية للحصول على معطيات أمنية و ملفاتهم. ثالثا، الذين غرَر بهم ووجدوا أنفسهم في بؤر التوتر كالزوجات و الأبناء و هؤلاء يجب تقديم لهم الإحاطة النفسية. أمَا فيما يتعلق بالدستور، أشارت السيدة فاطمة المسدَي إلى أنَه في حال وجود تضارب مع فصوله ممَا يمنع سحب الجنسية من العائدين من بؤر التوتر يجب تعديله لحماية المواطنين من التهديد المستقبلي في حال عودتهم. وفي حال قبول عودتهم، تساءلت السيدة فاطمة عن قدرة البلاد التونسية على استيعاب هؤلاء العائدين علما وأنَه يوجد أمن مواز وقضاء مخترق و إشكاليات قانونية؟؟

 

المداخلة الاخيرة كانت للمحامي السيد سيف الدين مخلوف الذي أكد على وجود خلل منهجيَ في تناول هذا النوع من القضايا الكبرى،مشيرا إلى الإعلام الذي يعطي صورة مظلمة على تونس ممَا يؤثَر على صورة تونس في الخارج و على نسق الاستثمار واستقرار الاقتصاد وأمن البلاد.يقوم هذا المشكل على جانب واقعي و جانب قانوني وهو ما لم يتعرض إليه الخبراء في تونس بل هاجموا الخصوم السياسية عوض تشخيص سليم للوضع الراهن. وردَ السيد سيف الدين مخلوف على الذين يرفضون عودة التونسين من بؤر التوتر مبينا ضرورة التفريق بين الحاملين لجوازات سفر تونسية الذين سلموا أنفسهم و الآخرين المتسللين خفية من الحدود مشيرا إلى أنَ الدواعش الدمويين لا يحبذون العودة لأنهم يفضلون الموت في أماكن أكثر خطرا من تونس لإيمانهم بعقيدة الموت. كما أكَد على أنَه لا يمكن تعديل الدستور كل ما أرادت الطبقة السياسية ذلك  لأنه ذات طبيعة قانونية جامدة بحيث لا يعترف بالأوضاع المارة كما أشار إلى أنَ على الدولة التونسية تحمَل مسؤولية أفعال مواطنيها و ذلك لا يعني أن تونس مجرمة في نظر المجتمع الدولي. وعلَق على الَذين يصنفون داعش كدولة وهو خطأ مفاهيميَ لأن داعش هو تنظيم إرهابي مخابراتي حدَد لغرض دولي جيوسياسي بحت. و فيما يتعلَق بالحلول، سرد السيد سيف الدين مخلوف الإقتراحات التالية: أوَلا، يجب التخفيف من اتباع الحل الأمني لمعالجة الإرهاب. ثانيا، معالجة اكتظاظ السجون والعوامل التي ساعدت على انتاج الإرهاب. ثالثا، تأهيل السجون بمسرح و نادي موسيقى و مكتبة ثريَة لتغيير الفكر المتطرَف بطريقة ثقافية.

و خلال النقاش، أكَد السيد عبد الحميد الجلاصي على أنَ في حال عدم قبول هؤلاء العائدين سيبحثون عن مواقع انتشار، لذلك من الضروري البحث عن إجراءات تكميلية تمكَن من وضع حلول لهذا المشكل علما و أنَ المشكل ليس من مع قبول الإرهابيين أو صدَهم و إنما المهمَ اليوم إعطاء حلول واضحة في إطار نقاش سياسي بحت.كما نوَه السيد جابر القفصي على غياب تصوَر و استراتيجيا لمقاومة هذا التيار المتطرَف مع ضرورة التساؤل لماذا فشلت الجمعيات في حين نجح الإرهاب في استقطاب الشباب؟   وذهب جلَ المتدخَلين إلى ضرورة تحديد المفاهيم و الأهداف و الوسائل التقنية والاستقصائية  قصد الوصول إلى نتائج إيجابية تحمي البلاد التونسية من خطر العائدين و في نفس الوقت تكون مسؤولة في نظر المجتمع الدولي.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

ندوة بعنوان: نحو برامج تعليميّة تبني المواطنة وتدحض التطرّف

  ندوة بعنوان:  نحو برامج تعليميّة تبني المواطنة وتدحض التطرّف يوم السبت 03 جوان 2017 ...