محاضرة للدكتور مصطفى بن جعفر الانتخابات البلديّة: محطّة هامّة نحو تحقيق اللامركزيّة وتطبيق الدّستور

نظرا للعزوف الّذي يسيطر على المجموعة الوطنية وشعورها بالإحباط من المشهد السياسي، نظّم مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة حوارا مغلقا قدّم خلاله الدّكتور مصطفى بن جعفر محاضرة بعنوان الانتخابات البلديّة: محطّة هامّة نحو تحقيق اللامركزيّة وتطبيق الدّستور وذلك يوم الخميس 22 فيفري 2018 بمقر المركز بمونبليزير. شارك في هذا اللقاء العديد من الشخصيات السياسية ووزراء سابقين.


أشار الدّكتور مصطفى بن جعفر في بداية مداخلته إلى الدّستور التونسي في نسخته الرّسميّة باعتباره الأساس القانوني الّذي يجب الرّجوع إليه لحل مختلف المشاكل المتعلّقة بالوضع الاجتماعي المتأزّم الّذي تمرّ به تونس. كما أكّد على أنّ الحديث عن الحكم المحلّي والانتخابات البلدية يتطلّب دراسة أسباب التفاوت بين الجهات والشعور بالتهميش لدى الشباب ويستدعي الحلول الممكنة وهو ما يعدّ أصلا من أصول الثورة وهدفا من أهدافها. ألمح السيد بن جعفر إلى ضرورة إدراك أنّ المشاكل الاجتماعية لا يمكن أن تحلّ بصفة آنية لأنّ التغيير يكون متدرّجا ليكون حقيقيّا وفعّالا. ولكن في نفس الوقت يجب ألاّ تكون صفة التدرّج تعلّة لتعزيز الخوف من سرعة تركيز الحكم المحلي وتحقيق اللامركزيّة. وقد أكّد المحاضر على أنّ القطع مع الماضي يتطلّب الاهتمام بالشؤون المحلّية لأنّ تعزيز الحكم المحلي هو استجابة مباشرة لمطالب الذين قاموا بالثورة.
غير أن ما نصّ عليه الباب السابع من الدّستور حول السلطة المحلية فيما أشار إليه محتوى الفصل 139 الخاص بـأن الجماعات المحلية تعتمد آليات الديمقراطية التشاركية، ومبادئ الحوكمة المفتوحة، لضمان إسهام أوسع للمواطنين والمجتمع المدني في إعداد برامج التنمية والتهيئة الترابية ومتابعة تنفيذها طبقا لما يضبطه القانون كان سبب التّأجيل والتّلكّؤ المتواصلين مما أخّر إجراء الانتخابات. لقد ادّعي البعض أنّ تحقيق اللامركزية يمكن أن يهدّد المركز مما يجعل هذا الأخير دافعا إلى تعطيل الانتخابات. من جهة أخرى فالتدرّج في التغيير مطلوب ولكن يجب ألاّ يصبح مرجعا يُستند إليه تجسيدا للخوف من عدم قدرة أفراد المجتمع على تسيير شؤون جهاتها وإمكانيّة اندلاع المشاكل القبليّة. مثل هذه المخاوف غير صحيحة بالمرّة نظرا لما يتمتّع به المواطن التونسي من قدرة وحنكة “في تسيير الشّأن العامّ” على حدّ تعبير المحاضر. كما أشار الدّكتور مصطفى بن جعفر إلى أهمّية الفصل 136 من الدّستور الذي تتكفل السلطة المركزية بمقتضاه بتوفير موارد إضافية للجماعات المحلية تكريسا لمبدأ التضامن وباعتماد آلية التسوية والتعديل. لهذا فإن السلطة المركزية تعمل على بلوغ التكافؤ بين الموارد والأعباء المحلية وتخصص نسبة من المداخيل المتأتية من استغلال الثروات الطبيعية للنهوض بالتنمية الجهوية على المستوى الوطني. يؤكد هذا المعنى الفصل 12 السابق للفصل 136من الدّستور فيما ذكره من تمييز إيجابي وتعزيز التوزيع العادل للثروة بين الجهات والبلديات. كما ذكر الفصل 132 من الدّستور الّذي نصّ على أنّ الجماعات المحلية تتمتع بالشخصية القانونية، وبالاستقلالية الإدارية والمالية، وتدير المصالح المحلية وفقا لمبدأ التدبير الحر مع ما يتبع ذلك مما نصّ عليه الفصل 138 من ضرورة الرقابة اللاحقة وهو ما يؤكّد مفهوم اللامركزية الّذي يفرض تخلي المركز عن جزء من صلاحياته.
أشار السيد بن جعفر إلى أنه خلال أزمة الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات طالب العديد بحل الهيأة والرّجوع إلى الوضع القديم الذي تشرف فيه وزارة الدّاخلية على الانتخابات وهذا أكبر دليل على أنّ البعض من أصحاب القرار لا يريدون تغيير العقلية القديمة. إلى جانب هذا أدّى ضرب القيم داخل الهيأة إلى اهتزاز الثقة فيها وهو ما سبّب العزوف لدى المواطنين وأدخل الشكّ في النّفوس، علما أنّه رغم تضافر أسباب داخليّة وأخرى خارجيّة على تصدّع الهيأة فإنها تظل مصدر اعتزاز لنا إلى جانب الدستور بمكانته ومرجعيته.

 


أضاف المحاضر أنّه من الضّروريّ عند الانتهاء من صياغة قانون الجماعات المحلية إحداث محكمة دستوريّة تراقب مدى دستورية القوانين مُعَقِّبًا أن عدم إنشاء المحكمة يعتبر مقصودا وأنه يعكس غياب إرادة حقيقيّة للسلطة. كما نوّه بأنّه من غير المعقول أن تساس الدّولة بأحكام انتقاليّة كما هو شأن قانون الأحزاب الذي مازال في شكل مرسوم صادر سنة 2011 على الرّغم من أهميته في ضبط مسألة تمويل الأحزاب التي يجب أن تقنّن لضمان التعدّد ونجاح الدّيمقراطيّة.
وفيما يتعلّق بشروط نجاح الانتخابات البلديّة، أشار السيد بن جعفر إلى النقاط التالية: أوّلا، عدد الترشّحات بلغ مستوى مرضيا لضمان المنافسة والتعددية في جلّ البلديات. فقد كان هناك خوف من انحسار عدد القائمات المشاركة ولكن ذلك لم يحصل. ثانيا، تعزيز فكرة القائمات المواطنيّة وفكرة الانفتاح على الآخر واقتناع القيادات السياسيّة أنّ العمليّة الانتخابيّة عمليّة مواطنيّة وبالتالي أمكن فتح الباب أمام الأشخاص غير السياسيين سواء من الفاعلين في الجهة أو من النشطاء في المجتمع المدني. ثالثا، على الأحزاب الاهتمام بالقواعد الشّبابيّة. رابعا، إنهاء القطيعة بين الشباب والنخبة. خامسا، عدم تصديق الحملة الممنهجة على الأحزاب التي تؤدّي إلى انعدام التغيير وارتفاع نسبة العزوف. سادسا، اقناع الشباب المُحْبَط بأهمية الانتخابات وبضرورة تحمّل المسؤولية. أما إذا لم نحقّق التعبئة الضرورية فعلينا العمل على مجلّة الجماعات المحليّة والحفاظ على موضوع التشاركية والديمقراطيّة والتدبير الحرّ ومسألة الرقابة اللاحقة علما وأنّ اللامركزيّة لا تتناقض مع وحدة الدّولة. ذكر المحاضر عوامل إمكانيّة فشل التجربة: أوّلا لغياب المصالحة الوطنية ولعدم توفر أساس سليم للحلّ السياسي والذي كان السبب الأصلي للأزمات الاقتصاديّة والاجتماعية التي تمرّ بها تونس حيث حصلت المصالحة مع الفساد. ثانيا، ضآلة نسبة مشاركة الشباب مع تفاقم هذه النسبة نتيجة انعدام الثّقة بين الشباب والهيئة.
خلال النّقاش، أشار السيد عبد الرزاق الكيلاني إلى أنّ المنظومة القديمة يمكنها العودة سريعا نظرا لأنّ المحكمة الدّستورية لم تتشكّل بعد، وقانون الأحزاب لم يقع النظر فيه، وكذلك قانون الجماعات المحلية. كما نوّه بأنّ مقوّمات نجاح الانتخابات البلدية غير متوفّرة وبالتالي يصبح تأجيلها أمرا واردا، وهو ما ينبئ بسيناريو كارثي الّذي يمكن أن يتأكّد في ضوء الإحصائيات التي تفيد بأنّ 70% من المواطنين لن يتحوّلوا إلى مكتب الاقتراع.
ألمح السيد وليد البناني إلى عدم وجود ندوات تلحّ على تطبيق الدّستور من خارج المجتمع المدني. كما اعتبر أنّ عدم تطبيق الدّستور كان له أثر سلبي في العديد من المستويات. وأشار إلى أنّ المشهد السياسي يسيّر مع الأسف بمنطق التجاذب الحزبي في القضايا المصيريّة في بلد قام شعبه بثورة عريقة. واعتبر أنّ الانتخابات البلديّة هي التي ستحقّق مصداقية الأحزاب. علما وأنّ المناخ المتسبب في تأجيل الانتخابات البلدية هو العامل المخيف وليس نوعيّة القائمات المترشّحة.
أكّد السيد إلياس الفخفاخ وزير المالية السابق إلى أنّه من الخطأ تحميل الدّستور مسؤولية كلّ المشاكل التي تعيشها تونس من قِبَل النخبة المثقّفة ونوع النظام الّذي اختاره الدّستور. كما دعا إلى أنّ تنتهي المصالحة والتي لم تحدث بعدُ بانتهاء مسار العدالة الانتقالية التي شارفت على النهاية. فهل يعني ذلك فشل العدالة الانتقالية؟
أكّد السيد عبد الحميد الجلاصي عضو مجلس شورى حركة النهضة على أنّ الدّكتور مصطفى بن جعفر هو أحد الأسماء القليلة التي يجب على السياسيين التعلّم منها متسائلا هل أنّ تأجيل الانتخابات متعلّق بحالة الأحزاب أم بتعقيدات القانون الانتخابي أم أن ذلك جاء نتيجة سيطرة رواسب النمط القديم للحكم؟ عبّر السيد الجلاصي عن استغرابه من الحكم على الدّستور قبل تطبيقه وإرساء هيآته وتركيز الحكم المحلي. مؤكّدا على أنّ أكبر إشكال في الانتخابات البلدية هو انخفاض نسبة المشاركة. كما تساءل عن الروح التي ستعمل بها المجموعة الوطنية بعد تاريخ 6 ماي: فهل ستعمل بروح 2014 أم بروح 1975 حيث تمارَس المقاومة الإداريّة والوالي على أجهزة الحكم المحلي؟ وختم مداخلته داعيا إلى ضرورة تركيز الضمير لاستمراريّة الثّورة.
شدّد الإعلامي صالح عطيّة على أنّنا بحاجة إلى الاستماع إلى صوت وسطي على المستوى السياسي. مؤكّدا على وجود العديد من المخاطر التي تواجه مختلف استحقاقات الثّورة إذ أن كلاّ من الدستور والعدالة الانتقالية والانتخابات البلديّة مهدّدة. كما تساءل قائلا ألا نحتاج اليوم إلى تحالف سياسي مع المجتمع المدني لحماية أهداف الثورة؟
دعت المحامية والناشطة السياسية منية بوعلي إلى إيجاد الحلول الممكنة للأزمة السياسية التي تشهدها تونس إلى جانب التشخيص وطرح الأسباب. واعتبرت أنّ المشكل الأساسي في المشهد السياسي هو تصريف أعمال الدّولة بترسانة قانونيّة وضعها النّظام القديم. ونوّهت بضرورة تكوين لجنة للتصدّي لأصحاب العقلية القديمة التي تسعى إلى أن يحافظ المركز على امتيازاته. وأكّدت على أنّ استمراريّة التاريخ السياسي التونسي يتطلّب عدم الوقوف عند صياغة الدّستور الّذي يعتبر بابا فُُتح لإكمال المسار.
وخلال التفاعل، أكّد الدّكتور مصطفى بن جعفر على أنّ الواقع التونسي اليوم ما يزال يرزح تحت وطأة غياب قيادة للثورة عند اندلاعها وهو ما يفسر الأوضاع السياسية الصعبة حاليا وخاصة ما اتصل بالأمور الجوهريّة. ومن خصوصيات الثورة التونسية، ذكر المحاضر النّقاط التالية. أوّلا، تُعدّ الثورة التونسية ثورة سلمية لم يسقط خلالها العديد من الضحايا. ثانيا، نشط في الثورة جزء هامّ من المجتمع المدني المؤمن بالحريات وبضرورة الدّخول في عهد جديد. ثالثا، يؤكد المشهد السياسي على وجود صراع واضح بين فئة تسعى إلى تحقيق أهداف الثورة وآخرين يحاولون جذبها للوراء. رابعا، تميّز التونسيون بالقدرة على إدارة الأزمات وهذا اتضح مع صياغة الدّستور خلال سنتين وهي فترة زمنيّة قليلة قياسا بأهمية الإنجاز.
أشار السيد بن جعفر إلى وجود خطأ في طريقة تقييم الثورة. لذلك تأكدت الحاجة إلى تقييم جماعي ونقد ذاتي لمزيد من الفاعليّة معتبرا أنّ انقسام قوى التغيير بعد الثورة مباشرة هو السبب في تعطيل تحقيق أهداف الثورة لذلك من الضروريّ عودة قوى التغيير وتكوين حدّ أدنى من الانسجام للدفاع على مكاسب واستحقاقات الثورة. وفيما يتعلّق بالمصالحة، أكّد على أنّه على الرغم من أنّ المصالحة شيء أساسي في إنجاح الانتقال الدّيمقراطي وتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي إلّا أنّ هناك مجموعة من السياسيين لا يدعون للمصالحة مؤكّدا على أنّ المصالحة يجب أن تكون حقيقيّة وليست وهميّة لأنّ الّذي سيتحمّلها هو المواطن العادي وليس السياسي.
اعتبر المحاضر أن خوف البعض من تركيز الحكم المحلّي يدلّ على انعدام ثقة المواطن في نفسه وفي غيره وفي قدرته وفي مؤهّلاته. كما ألمح إلى أهمية إيقاف الأمور السلبيّة في المشهد الإعلامي الّذي يساهم في تأرجح وضع الأحزاب ومواصلة التشكيك في قدراتها مُعتبرا أنّ المهمّ اليوم ليس الحزب الّذي أنتمي إليه وإنّما بناء ديمقراطيّة ناشئة في تونس.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تقرير – ندوة : الفكر الاسلامي التنويري و تحديات العصر

نظّم مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة بالتعاون مع الرابطة العربية للتربويين التنويريين  ندوة بعنوان الفكر الإسلامي ...