تقرير – ندوة بعنوان: الحكم المحلي تفتيت للدولة أم تجديد لها

تونس ومستقبل الحكم المحلي كان محور اللقاء الذي نظمه مركز دراسة الإسلام والديمقراطية بالشراكة مع شبكة غصن الزيتون للعمل التنموي بصفاقس باعتبارنا نعيش مرحلة مفصلية في تاريخ تونس خاصة بعد تخصيص بابا كاملا في الدستور وهو باب السلطة المحلية. فالبعض يرى أن تكريس الباب السابع من الدستور للسلطة المحلية سينتج ثورة جديدة عبر إرساء الديمقراطية المحلية التي تعتبر هاجس كل التونسيين. في ما أبدى البعض الأخر تخوفا من الحكم المحلي ويعتبر إرساء منظومة الجماعات المحلية مشروع خطير سيؤدي إلى زعزعة أركان الدولة.

 

كلمة الافتتاح للدكتور رضوان المصمودي رئيس مركز دراسة الاسلام والديمقراطية

استهل كلمته بالترحيب بالحضور ثم قدم موضوع الندوة التي تأتي في وقت نقترب فيه من الانتخابات البلدية بعد أن طال انتظارها وكثر تأجيلها بسبب تشكيك البعض في اللامركزية وعَرّف الحكم المحلي على أنه اقتراب الدولة من المواطن وأشاد بالنسبة العالية للشباب المترشح في قائمات المجالس البلدية المقدرة ب52 بالمائة كما ذكر أن بلادنا تتقدم في اتجاه ترسيخ قيم الديمقراطية و المواطنة وقد حققت نجاحا في ذلك وهي في طريقها لاستكمال هذا النجاح بمحاربة ظاهرة الفساد المرتبطة بالاستبداد رغم وجود من يتربص بالمسار. ثم أحال الكلمة للسيد الهادي هماني عضو الهيئة الفرعية المستقلة للانتخابات بصفاقس.

 

المداخلة الأولى للسيد الهادي هماني عضو الهيئة الفرعية المستقلة للانتخابات بصفاقس

أكد في كلمته أن القانون الانتخابي المشجع للشباب ساهم بصفة كبيرة في انخراط الشباب بهذه النسبة الهامة ذاكرا أن عدم تواجد شاب في الأسماء العشر الأوائل من القائمة الأصلية والتكميلية يتسبب في اسقاط القائمة وثمن مجهودات الهيئة وتنقلها الى الجامعات و المعاهد لتحفيز الشباب على الترشح. كما ذكر أن تمثيلية الشباب قد تحسّنت أيضا في عدد الناخبين وتحوّلت من 22 بالمائة في انتخابات 2014 إلى 32 بالمائة ثم قدم بعض الأرقام بخصوص قائمات صفاقس المقبولة منها والتي تم اسقاطها وذلك بمناسبة الاعلان عن القائمات المقبولة في نفس اليوم.

 

المداخلة الثانية للسيد صلاح الدين الجورشي رئيس تحرير موقع الشبيبة بعنوان تحديات الديمقراطية المحلية؟

انطلق في بيان أهمية الانتخابات البلدية التي ستجرى في سياق اقتصادي واجتماعي صعب، يسوده عزوف عن الشأن السياسي نتيجة خلل في الطبقة السياسية التي لم تكن عند وعودها، وتتعدد فيه وتتنوع الحركات الاحتجاجية.فالثورة التي حصلت في تونس كان لها هدفان الأول هو الرهان على الديمقراطية كأسلوب لتسيير الحياة العامة والثاني تحقيق العدالة الاجتماعية وفي حين تقدمت بلادنا في مجال الديمقراطية إلا أنها لم تخط أي خطوة في اتجاه العدالة الاجتماعية ولم تنجح في سد الفجوة في سوق الشغل واعادة توزيع الثروة ومحاربة الفساد.

وقد ذكر بأن هناك ممن يحمل ثقافة النظام المركزي والدولة القوية المهيمنة يعتقد أن الديمقراطية المحلية هي اضعاف للدولة ولكن الديمقراطية التي يجب تكريسها حسب رأيه هي التي تنقلنا من ثقافة الدولة القوية الى مرحلة أخرى تخلق معادلة جديدة بين الدولة المركزية وبين الجهات المغيبة فهي اعادة بناء لعلاقات جديدة بين المركز و الأطراف وهي بالتالي  دعم للدولة وتجديد لها.

ثم عرج على دور الأحزاب وقال انه لئن كان وجود الأحزاب والمؤسسات ضروري لإرساء أية ديمقراطية إلا أنه خوّف من تغوَل الأحزاب وأن تقدم مصالحها على المصلحة العامة.ثم أشار الى النسبة الهامة لمشاركة الشباب في القائمات الانتخابية وقال أنها جاءت فرضا من القانون وعبر عن رغبته في أن تتوفر الثقافة السياسية لدى الشباب حتى لا يكونوا مجرد ديكور ويساهموا في تجديد الطبقة السياسية التي بدأت تشيب . كما تطرق إلى صلاحيات المجالس البلدية واعتبرها هامة تتعلق بنظافة البيئة وإعادة توزيع الضرائب وهي بذلك قادرة على تغيير الوضع الاجتماعي والبيئي بشكل ملحوظ خاتما بقوله بأن وجوده في هذه الندوة مساهمة في إنقاذ العملية الديمقراطية.

المداخلة الثالثة للسيد مبروك القسنطيني رئيس النيابة الخصوصية لبلدية صفاقس سابقا بعنوان تشريك الشباب في الحكم المحلي

انطلق بالحديث عن أهمية الانتخابات البلدية والمكاسب التي يمكن أن نجنيها من الحكم المحلي وقال أنها استكمال للانتقال الديمقراطي وسينتج عنها هياكل منتخبة تسيرالشأن المحلي عوضا عن الهياكل المؤقتة الحالية وأن أهم مكسب لهذه الانتخابات هو الانخراط الحقيقي للمواطن في الشأن المحلي.

ثم تساءل عن مدى أهمية المشاركة السياسية للشباب ؟ وقال أنه اذا كان الشباب هو نصف الحاضر فهو كل المستقبل ويجب المراهنة عليه لأنه من ميزاته الاستعداد للتغيير ولديه قدرة متفوقة على كسب المعلومة بفضل التطور التكنولوجي فهو قوة فاعلة في بناء الوطن كما جاء في فصل من الدستور التونسي.

كما أن الشاب التونسي الذي كان وقود الثورة والذي يعاني من حالة من الاحباط بسبب البطالة والتهميش ستؤطره المشاركة في هذه الانتخابات وتمكنه من الانخراط في نشاط مشروع قانوني،إلى جانب علاقة الحكم المحلي بالتنمية التي تمثل الحل لمشكلة تشغيل الشباب، فالمجالس المنتخبة ستكون لها الآليات والوسائل لتحقيق التنمية ولها استقلال مالي وسياسي تجسيدا لمبدأ التدبير الحر. وختم بأن كلا من النص التشريعي والقانون الانتخابي محفز للشباب وعليهم أن لا يفرطوا في هذا الاستحقاق حتى نتقدم في مسارنا بخطى ثابتة ونمر بالعمل السياسي من المركزي إلى المحلي.

 

المداخلة الرابعة للدكتور بسام الكراي الخبير في القانون الانتخابي والجماعات المحلية بعنوان ضمانات وحدة الدولة في المسار التأسيسي للديمقراطية المحلية

بدأ بتقديم موضوع المداخلة وقال أن اقتران لفظ الحكم بالمحلي يفزع لأن الحكم يكون للدولة وأن الحديث عن الضمانات يدل على وجود مخاطر على وحدة الدولة. فما هي هذه المخاطر وماهي الضمانات التي يمكن إيجادها لتلافي تفتيت الدولة.

واستشهد بمقولة فيلسوف فرنسي” تمثل البلدية بالنسبة للديمقراطية ما تمثل المدرسة بالنسبة للعلم”

« la commune est pour la démocratie ce que l’école est pour le savoir » ليبرز أن البلدية  هي الحاضنة الأولى لتعلم الديمقراطية ثم انطلق في بيان المخاطر التي يجب العلم بها لكي نستعد لها:

تحدث أولا عن المخاطر التي يمكن أن تكون داخل المجالس البلدية بما أننا اعتمدنا في الاقتراع نظام النسبية مع أفضل البقايا مما يسبب غياب الأغلبيات داخل المجالس وبالتالي هناك خوف من  تفتيت المجالس و ذكر أن هذه المخاطر يغذيها هاجس الانفصال عن الدولة كما وقع في التجربة الكتالونية.ثم عدّد الضمانات التي تم إيجادها في مشروع مجلة الجماعات المحلية بصفته أحد الخبراء الذين ساهموا في الصياغة الأولى وذلك للمحافظة على وحدة الدولة ووحدة القرار السياسي، مبينا الإشكالية التي طرحت في المستوى القانوني عند إعداد المجلة ألا وهي إيجاد التوازن بين التدبير الحر ووحدة الدولة وعدم سطوتها. وأبرز أن القانون أعطى للجماعات المحلية صلاحيات ذاتية وأخرى مشتركة مع السلطة المركزية وأخرى يتم نقلها لفائدتها من قبل السلطة المركزية لكن القرار الذي يتخذه المجلس يقع إعلام الوالي به و يمكن للوالي الاعتراض أمام المحكمة الادارية، إذا فمقابل إعطاء المجالس البلدية التدبير الحر تحتفظ السلطة المركزية بحقها في الاعتراض وطلب توقيف القرار عن طريق الوالي أو امين المال الجهوي أو المواطن أيضا الذي يمكنه الطعن أمام القاضي الاداري وذلك في إجراءات سريعة وآجال مستعجلة .

 

 

ثم ذكر ضمانات ترتيب عملية الاستفتاء المحلي الذي أقرته المجلة كأحد آليات الديمقراطية التشاركية وهو واضح ومعلوم بالقانون اذ يُسمَح  لعشر المتساكنين اقتراح  استفتاء حول إعداد برامج وإنجاز مشاريع على أن لا يُنَظّم أكثر من ثلاث استفتاءات في المدة النيابية للمجلس وأن لا يكون في السنة الأخيرة وقال أن الاستفتاء تُحمل نفقاته على ميزانية الجماعة المحلية ولا يشمل إلا مجال التخطيط والتهيئة الترابية كما أن هناك لجنة ملحقة بالبلدية، فيها أعضاء من المجتمع المدني، لها دور المتابعة والمراقبة.

أما بالنسبة لحق البلديات في ربط شراكات تعاون دولي مع منظمات حكومية أو غير حكومية الذي يسمح به القانون فالضامن هنا هو وجوب التشاور مع المصالح المختصة بوزارة الخارجية بقصد إمضاء الاتفاقيات و لرئاسة الحكومة حق الاعتراض لأسباب سيادية عن طريق  الوالي الذي يمكنه التدخل إذا كان هناك مخالفة للسياسات العامة للدولة.

وختم بالقول أن الديمقراطية المحلية هي عملية إرادية قوامها انخراط الجميع في إطار التمتع بالذاتية الجهوية مع احترام السياسات العامة للدولة وأن المسار طويل يحتاج إلى عقود وأن الديمقراطية مبنية  على الشيء  وضده  فقط يجب التدرب والتمرس وقبول الآخر.

 

مداخلات وتساؤلات الحضور وتفاعلات المحاضرين

 

إثر ذلك ومباشرة بعد الاستماع لإلقاء المحاضرين أدار النقاش السيد رضوان المصمودي الذي اعتمد مبدأ التناصف في إعطاء الكلمة وسمح لعدد هام من الحضور بإبداء الرأي وطرح الأسئلة وكانت المداخلات متنوعة وثرية.

ففي حين اعتبر المتدخل الأول أن الانتخابات هي مجرد وسيلة للوصول الى الكرسي وأن الحكم المحلي محارب بقوة في كل من امريكا واسبانيا وايطاليا متسائلا عن سبب ارساءه في تونس لتجزئة المُجزّأ وتقسيم المُقسّم ومؤكدا انه مشروع جديد تختفي وراءه الشركات الناهبة في تونس لتحمي نفسها، ذكر آخران الحكم المحلي مرحلة ضرورية علينا ان نقدم فيها افضل ما لدينا لنجني بعضا من المكاسب المرجوة ملاحظا بأن العمل السياسي ليس بالعلم الصحيح.وسأل متدخل ثالث عن التقييم الاقليمي في المجلة وطلب تشريك الأجانب المقيمين بجهاتنا مادحا حسهم الوطني كما طالب أحد الشباب  بالتشريك الفعلي للشباب معبرا عن أمله  بأن يكون الحكم المحلي تجديدا للدولة.

 

 

وطرحت إحدى الضيوف سؤالا هاما عن تمويل المجالس البلدية هل سيكون انطلاقا من الحكومة أم من المواطن وفي حال كان من الحكومة ماهي معايير تقسيم التمويل.وأردف آخر بأنه ليس هنا ك مخاوف من التفتيت بل المشكل حزبي وليس قانوني مستشهدا بفصول من الدستور.

مشارك آخر وجه سؤاله للسيد مبروك القسنطيني عن محاسبة  رؤساء النيابة الخصوصية الذين تعاقبوا على مدينة صفاقس وهو أحدهم وتساءل هل من محاسب لهم وخص بالذكر “من بدل التنمية بالوثنية ” حسب تعبيره في إشارة إلى تنصيب التماثيل بجهة صفاقس التي تشكو من التهميش وتحتاج إلى التنمية.

متدخلة من حزب التحريراستغربت الحديث عن استقلالية الحكم المحلي في حين أنه خاضع لمراقبة الوالي من  الداخل ويشترط فيه أن يكون وفيا لتعهدات الدولة مع الخارج  وتساءلت لماذا نترك نظامنا الإسلامي ونأخذ بأنظمة غربية وضعية لا تقدم بنا. وأرجع متدخل آخرسبب المشاكل التي نعاني منها أننا لم نبدأ بالمحلي الذي اعتبره سنة أولى سياسة وانطلقنا بتعلم السياسة دون المرور بالتعليم الابتدائي.

ثم تدخل آخر بصفته الحزبية معلقا على  موضوع تغول الأحزاب وأشار أن هناك تحديات كثيرة تطلبت مجهودات  كبيرة  من أحزاب  وطنية وأن التخويف من التفتيت يأتي من الفئات التي تمعشت من الحكم المركزي وحالت دون سياسة العدل.

كما تحدثت أخرى عن التناصف العمودي والأفقي في القائمات الذي  يفرضه القانون ورأت أنه من الأجدى أن يكون التناصف اختياريا واعتبر آخر أن نجاح الحكم المحلي مشروط وأن النص القانوني في الاتجاه الصحيح لكن يجب الاهتمام بالعامل الثقافي للتغلب  على بطء النسق وقصور الأداء. .

وتكلم ناشط من منطقة صفاقس الغربية التي تمثل معقلا من معاقل الأحياء الشعبية وطلب من الباحثين أن يبسّطوا العملية ودعا الى النزول لجميع الأحياء  وطرح  الانتخابات على أنها  عملية وجودية، وأضاف شاب بأنه لابد للمجالس أن تنفتح على الشباب وأن يقدم السياسي المثال الحسن متسائلا كيف لنائب بالبرلمان لا تتعدى نسبة حضوره بالمجلس الصفر فاصل أن يقنعه  بالمشاركة .

وأعقب متدخل آخر بأن الاستحقاق الانتخابي مهم وهو مواصلة للثورة ويمكن أن يسهل عمل الجمعيات التي  ترهقها الاجراءات في  ظل  المركزية، كما لاحظ آخر بأن الخوف ليس من التفتيت ولكن كانت هناك مخاوف من عدم إجراء  الانتخابات وتبددت وبقيت المخاوف من أن لا يُرسى الحكم المحلي حتى بعد إجراء الانتخابات، وختم المتدخل الأخير بالتساؤل كيف نستعد لتجربة الحكم المحلي في إطار الصراع الهوياتي وماذا سيبقى للدولة بعد تأثيث الحكم المحلي هل سيقتصر دورها على الرقابة أم أن دورها توجيهي.

 

 

ثم أحيلت الكلمة للمحاضرين للإجابة على التساؤلات والتعقيب على التدخلات فأجاب السيد مبروك على مسألة المحاسبة وبين أن كل مسؤول مطالب عند التسيير باعتماد مبادئ الحوكمة الرشيدة وهو محكوم بمراقبة القضاء كما قدم السيد بسام توضيحات هامة حول عديد القضايا المثارة وبدأ بمسألة تشريك الأجانب موضحا أن مجلة الجماعات المحلية فتحت المجال لجميع المتساكنين وشركت كل دافع للضرائب ثم أثار مسألة التفريع وذكر أنه مصطلح حربي يعني أن الأقرب هو الأولى بالتسيير وأن دور السلطة المركزية ينحصر في الدعم والإسناد من موقعها الخلفي، كما نصح الشباب المُطالب للحكومة بالإنجاز لفائدته بأن يعمل على إخراج السنبلة من الحجر محذرا إياه من الوقوع في مربع الضحية ومحفزا له على العمل والخلق.

ثم مر إلى الاجابة على السؤال الخاص بالتمويل وأوضح أن مصدره الموارد الذاتية للدولة إلى جانب وجود صندوق لدعم اللامركزية وآليات للتعديل والتوازن بين الجهات حسب مؤشرات معينة كنسبة الفقر وعدد السكان والرقعة الجغرافية بهدف إعادة توزيع الثروات وفي الختام عرج على موضوع التناصف المفروض بالقانون وذكر أن المُشرّع قام بالمبادرة بناء على مطالب وأنه إذا لم يأت القانون بالتناصف قد لا ترتقي المرأة إلى مستوى القرار السياسي.

وفي ختام الندوة قدم السيد حاتم العيادي رئيس شبكة غصن الزيتون كلمة قصيرة شكر فيها الحضور وخص الشباب الذين لبوا الدعوة والطلبة الذين بعثوا رسالة ايجابية من خلال نجاحهم في تنظيم انتخابات المجالس العلمية متمنيا التوفيق للجميع.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تقرير – ندوة : الفكر الاسلامي التنويري و تحديات العصر

نظّم مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة بالتعاون مع الرابطة العربية للتربويين التنويريين  ندوة بعنوان الفكر الإسلامي ...