تقرير – دور الاعلام الديني في التوقي من التطرف

ندوة مغلقة بعنوان:

دور الاعلام الديني في التوقي من التطرف

الثلاثاء 30 جانفي 2018 – بنزل المشتل

نظم مركز دراسة الاسلام والديمقراطية ورشة مغلقة حول دور الإعلام الديني في التوقّي من التطرف، وذلك يوم الثلاثاء 30 جانفي بنزل المشتل بتونس العاصمة بحضور نخبة من الفاعلين والمتدخلين في الشأن الديني من باحثين وخبراء وأئمة ومفكرين وسياسيين. وقد تضمنت أشغال الورشة جلستين حواريتين تناولت الأولى تقييم الاعلام الديني وأثثها الاساتذة صلاح الدين الجورشي رئيس تحرير موقع شبيبة. تي ان ومحمد بن حمودة إمام خطيب ومستشار لدى منصة الخطاب الجديد في وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الانسان وغفران حسايني اعلامي وطالب دكتوراه في الحضارة والفكر الاسلامي المعاصر ومحمود جاء بالله باحث ومعد برامج بقناة الزيتونة. وتناولت الجلسة الثانية افكارا ومقترحات عملية في تطوير الاعلام الديني وتدخل فيها الاساتذة احميده النيفر رئيس رابطة تونس للثقافة والتعدد وكمال بن يونس مدير عام اذاعة الزيتونة وابراهيم الشايبي استاذ بالمعهد العالي للحضارة الاسلامية ومقدم برامج دينية وهيثم الامام اعلامي في اذاعة الزيتونة.

افتتح الدكتور رضوان المصمودي أشغال الورشة في كلمة رحب خلالها بالحاضرين واضعا الورشة في سياقها المتعلق بتطوير الخطاب الديني بعد عقود من تهميشه والنهوض بالإعلام الديني حتى يلعب أدواره المتأكدة في نشر قيم التسامح ومكافحة التطرف.

كان الاستاذ صلاح الدين الجورشي أول المتدخلين في الجلسة الأولى وقد تطرق إلى تعريف الاعلام الديني بما هو مجمل المنظومة التي تجمع مختلف وسائل وأشكال إيصال الخطاب الاسلامي بمختلف مكوناته الى عموم الناس ويشمل البرامج الدينية والاذاعية والصفحات المتخصصة في الجرائد ومواقع الانترنيت. واعتبر الجورشي ان هذا الاعلام الديني في تونس لا يزال محدودا ولا يجيب الراي العام بشكل مباشر ولا يزال اعلاما متعثرا وغير معترف به في الاوساط العلمية الجامعية او من قبل السلطة. وتساءل عن مدى قدرة هذا الاعلام على اثارة الحوار وطرح المشاكل وشد المشاهد معتبرا انه يفتقر الى رؤية واضحة بسبب عوامل عديدة ابرزها الصعوبات الهيكلية التي يواجهها الفكر الاسلامي ومدى قدرته على الاستجابة لاحتياجات المؤمنين والناس. وهو ما يتطلب اعادة النظر في مضمونه وادواته ومادام هذا الرصيد غير محدّث فإن الاعلام الديني سيعكس مضمونا ضعيفا وسيبقى مترددا. كما تطرق الاستاذ الجورشي إلى ما أسماه “الوسيط” معتبرا غياب الخبرة في ايصال المضامين والاحاطة بالمعرفة الدنيا واثارة اهتمامات الناس وفضولهم مشكلا قائما حيث يقوم الاعلام الديني على متطوعين وليس على خبراء ومختصين داعيا الى التركيز على هذا الوسيط من خلال مساعدته وبناء قدراته حتى يكون تأثيره أعمق وأوسع وفي الاتجاه الصحيح. وختم الجورشي مداخلته بالإشارة الى أزمة الثقافة الاسلامية في هذه المرحلة وضرورة الاعتراف بأزمة الخطاب الاسلامي وضرورة القيام بنقد ذاتي لفهم مشكلة ايصال الخطاب الديني وكيف يمكن تأطير الوسيط حتى يرتقي بدوره ويساهم في عملية الانتقال الديمقراطي الذي يفترض التنوع والاختلاف ويرفض الاحادية والانغلاق

.

من جهته اشار الاستاذ محمد بن حمودة إلى علاقة الاعلام بالشأن الديني من حيث أنها علاقة رد فعل حيث يقع اللجوء الى الأئمة والمختصين بشكل عرضي مثل الفترات التي تعرف عمليات ارهابية. واعتبر بن حمودة ان الاعلام الديني يتوفر على نقاط قوة ونقاط ضعف، اما القوة فهي انه مازال بكرا ومفتوحا على الافكار والاجتهادات والتجديد، أما الضعف فهو حصره في مناسبات مثل الحج ورمضان. واقترح بن حمودة برامج تأهيل وتدريب وتطوير اليات واستراتيجيا عملية لمواجهة الارهاب وانشاء قاعدة بيانات حول الخطاب المتطرف والارهاب ومتعلقاته والرد عليها وتفنيدها ومقارعة الحجة بالحجة وبعث برامج باللغات والتنسيق بين الاذاعات العربية والتفكير في برامج مشتركة بما أنّ القضية مشتركة. واعتبر ان الاعلام الديني يجب ان يقوم على الفهم والاقناع وليس على التلقين والتعالي والانفصال عن المجتمع والشباب وعلى التواصل الالكتروني والمباشر والعارف بأدوات التواصل الجديد. وكذلك تجديد اشكال الخطاب والقطع مع اللغة القديمة والترهيب والتخويف المنفر للناس من الدين.

اما الاستاذ غفران الحسايني فقد قسم مداخلته الى ثلاث عناصر: مدخل تاريخي ومفهوم الاعلام ورهانات التصدي للتطرف. وارجع الاعلام الديني الى بدايات القرن الماضي وتحديدا 1904 مع تجربة “السعادة العظمى” للشيخ محمد الخضر حسين ثم بعد زيارة محمد عبده الى تونس تأسست مجلة “المنار” ثم تلتها مجلة “الآداب” في 1919 للبحث في العلوم العقلية الاسلامية كما يقول روادها ثم المجلة الزيتونية 1936 ومجلة “الافكار” التي اسسها الزيتوني محمد صالح الخماسي. الاعلام الديني ليس طارئا مع اذاعة الزيتونة 2007 او قناة اقرأ 1998 او ما تلاها مع قنوات الفجر والرسالة والمجد. اما من ناحية التعريف الأكاديمي للإعلام الديني فقد عرفه الحسايني باعتباره التوجه بخطاب ديني اسلامي على وجه التخصيص ويكون مسموعا او مقروءا او مكتوبا عبر الوسائط المختلفة وهو جزء من الخطاب الاسلامي باعتبار ما يعيشه الخطاب ينعكس اليا على الاعلام الديني من تقوقع او انفتاح.
اما رهانات التصدي للتطرف فقد اكد ان اقوى التنظيمات الموجودة في الشبكات الالكترونية هي التنظيمات الارهابية من ناحية قدرتها على الترويج لخطابها واستقطاب العناصر من شتى بقاع العالم وتجنيدها. وضرب مثالا مجلة “دابق” وهي مجلة داعش التي تترجم لـ16 لغة في العالم وتوزع دوريا وبكثافة وبإخراج محترف وكذلك فيديوهات داعش الصوتية والمرئية وقدرتها على ايصال رسائل التنظيمات الارهابية من حيث خطتها الاتصالية القائمة على الانفعال والادراك ورد الفعل شديدة التأثير نفسيا في الجمهور.
وختم الحسايني مداخلته بطرح رهانات التصدي للتطرف من خلال العمل على الخطاب الاسلامي من جهة التصالح مع قيم المعاصرة وهو امر واقع على عاتق العلماء والمفكرين وليس على عاتق الاعلامي. وثانيا مسؤولية الاعلامي من حيث هو حامل لرسالة وليس مجرد مقدم برامج فهو وسيط بين حضارة عظيمة وبين الناس عامة وهو بوابة للإسلام يجب ان يتمثل جسامة الامر. ودعا للتفكير في استراتيجية واضحة لان الاسلام يسرق وهو يخوض اليوم أعظم معركة في تاريخه لأنه يواجه حربا من داخله على خلاف حروبه السابقة ضد اعداء خارجيين. لذلك يجب خوض معركة التنوير ومعركة الواقع للتأثير والفعل الحضاري.
تطرقت المداخلة الاخيرة التي قدمها الاستاذ محمود جاء بالله الى اهمية الاعلام بمختلف وسائطه وتجديداته في تحول المجتمعات باعتباره صانعا للفكر والرأي ودافعا لمختلف جوانب الحياة. واعتبر الدين اصطلاحا ولغة منهج حياة يلامس كل جوانب الحياة واعتبر هذا الامر غير مكرس باعتبار هيمنة الخطاب الداعي الى فصل الدين عن السياسة والمجتمع. ومن هذا المنطلق اعتبر جاء بالله ان تشخيص واقع الاعلام لا يمكن ان يكون بمنأى عن المفهوم الصحيح للدين وضرب مثالا انه لا يمكن في قناة الزيتونة تناول قضايا يشتغل عليها الاعلام بشكل اخر مثل المهرجانات والسينما والمسرح والفنون حيث اعتبر ان تناولها يجب ان يكون باعتبارها ادوات لتغيير المجتمع والاسلام قد لامس هذه القضايا في كل جوانبها.
واعتبر ان هناك ازمة مفاهيم ومصطلحات مثل الجماعات الارهابية المتطرفة حيث يقع إلصاق الاسلام بالتطرق الى تشويش الفهم.

اما في التشخيص فقد اعتبر جاء بالله ان عناصر التشخيص تتعلق بالجانب المفاهيمي وبفلسفة الاعلام الديني من حيث خصائصه ومميزاته ووظائفه على المستوى الفردي والمجتمعي ومسؤوليته في الدعوة للإسلام وخدمة قضايا الامة وفي مقدمتها قضية فلسطين وقضية الاقليات المسلمة المضطهدة، وماهي جملة التحديات المطروحة مثل الاستشراق والتغريب والغزو الثقافي. ختم بن جاء بالله مداخلته بضرورة توفر قواعد تبنى عليها خطة الاتصال بما هو علم والتعامل معه على هذا الاساس.

خلال النّقاش، تدخل الاستاذ صالح عطية (صحفي) طارحا قضية وحدة الخطاب الديني ومتسائلا عن الفاعلين في الاعلام الديني هل هم الائمة والمشايخ ام هم المفكرون ام الشباب ام مقدمو البرامج، ومن هي الفئة المستهدفة بالإعلام الديني وكيف يمكن المصالحة مع المجتمع وترغيب الشباب خاصة في المتابعة وهو ما يتطلب تطوير اشكال التسويق، وكذلك قضية المرجعيات. واعتبر الاستاذ محمد القوماني (استاذ تفكير اسلامي) ان هناك خطاب ديني في وسائل الاعلام ولا يوجد اعلام ديني ولكن بالإمكان بناءه. هناك اختلاف في مفهوم الدين نفسه فهل الاسلام مجال من المجالات ام هو منهج حياة. والمشكل في الخطاب حيث يعكس الخطاب الديني في الاعلام أزمة الخطاب الاسلامي في النخبة والمجتمع حيث الهيمنة المطلقة للخطاب التقليدي حيث تتطور في الشكل ولكن تحافظ على نفس المضمون التقليدي والمحافظ. والسؤال هو لماذا فشل الخطاب الاسلامي المستنير والحداثي فيما “نجح” فيه الخطاب التقليدي وهو ما نلمسه في اغلب مداخلات المحاضرين.
وتدخل الاستاذ رضا الكزدغلي (مختص في الاتصال) مميزا بين الاعلام الديني من جهة والعملية التواصلية من جهة اخرى معتبرا اننا بحاجة الى عقل متعدد مستنير واستراتيجي وعقل مهاراتي وآخر تحليلي استشرافي وآخر تفاعلي حتى يمكن تنزيل الافكار ومحاورة الاخرين واستشراف المستقبل. وان القضية هي قضية التجديد والاسلام هي قضية كل المجتمع وليست قضية حزب او جماعة او مدرسة بعينها لذلك يجب توزيع الادوار للوصول الى قيمة مضافة اعلى تخرج من الانهزامية وتبدع الادوات اللازمة للفكر الجديد. وتساءل حمزة عن مدى تمثل الفاعل الديني للهم الديني ومسؤولية تغيير المجتمع.
واعتبر اسكندر الرقيق (ناشط سياسي) ان منبر الجمعة هو اكثر البرامج مشاهدة داعيا الى تداولية الصعود على هذا المنبر الديني معتبرا انه يعاني الكثير من الصعوبات. كما ضرب مثال قناة “الانسان” مع طارق السويدان وضرورة ان يصبغ بالتنمية البشرية وتنمية القيم وشمولية الطرح وبرنامج “خواطر” لأحمد الشقيري منوها بتجربته ومشيرا ان الاعلام تمويل وابداع داعيا للعمل على المسلسلات الدينية مثل قيامة ارطغرل للخروج من الاعلام النمطي السائد الذي يستفز الناس ويدفعهم للتطرف ورد الفعل. وختم بالتشديد على ان الخطابة فن وموهبة ونحن لا نعتني بالموهوبين على خلاف ما هو موجود في الولايات المتحدة.
من جهته أشار نور الدين عرباوي (قيادي في حركة النهضة) الى ضرورة التركيز على التوقي من التطرف قبل التركيز على الاعلام الديني معتبرا ان هناك عدم اعتراف بدور الدين في الفضاء العام والدليل في ذلك وثيقة الاستراتيجية الوطنية لمقاومة الارهاب التي تطرقت لمجالات مختلفة من مسرح وفن ورياضة اخ ضمن مقاربة شاملة لكنهم يمتنعون عن ادراج الدين كمقوم في مكافحة الظاهرة. كما ان ازمة الخطاب الديني هي جزء من ازمة مخلف مناحي حياتنا ولذلك افضل الحديث عن التحولات بدل الازمة. نحتاج مزيدا من التخصص في الاعلام الديني وكذلك ادماج تصور جديد للبرامج الدينية ضمن منظومة الاعلام العام وتشريك الفاعلين الدينيين في قضايا المجتمع .
اشار محمد بن علي الى استراتيجية وزارة الشؤون الدينية التي طرحتها في 2014 ومحاولتها تشخيص الأزمة وتجاوز النقائص لكن الامر يحتاج تشريكا اوسع ومقاربات جديدة.
وتعددت المداخلات المناقشة للمحاضرين وتناولت قضايا متعددة تنطلق من الاعلام الديني ومن التوقي من التطرف لتشمل موضوعات أخرى بعضها ديني وبعضها سياسي وبعضها مجتمعي.
في التفاعل تفاعل محمد بن حمودة مع ما طرحه صالح عطية وآخرون من ضرورة توحيد الخطاب الديني داعيا إلى التعدد حتى داخل الخطاب الواحد واعتماد العقل النقدي في تجديد الفكر. كما تناول غفران الحسايني موضوع وحدة الخطاب معتبرا الاختلاف فيه ناجم عن اختلاف مستويات التلقي والفهم منذ الإسلام المبكر. كما تفاعل مع موضوع المرجعيات معتبرا إياه قضية حساسة خاصة لدى الشباب الباحث عن أجوبة لأسئلته ذات الطابع الفقهي أو العملي. وفي تفاعله شدد محمود جاء بالله على مسألة القيم ومضمون الخطاب الديني المقدم في الإعلام ومدى استجابته لتوقعات المتابعين.

افتتح الأستاذ احميده النيفر (رئيس رابطة تونس للثقافة والتعدد) مداخلات الجلسة الثانية مشددا على الرؤية التحليلية والاستشرافية لمحاولة تحديد آفاق تطور الإعلام الديني. وانطلق من وثيقة بعثها شيخ الإسلام سنة 1895 إلى الوزير الأكبر يشتكيه عبد العزيز الثعالبي وجريدته “سبيل الرشاد” معتبرا إياها سبيل الضلال ومطالبا بتعطيلها. اعتمد الأستاذ احميده هذه الوثيقة لفهم أحد معضلات الثقافة الإسلامية من حيث عجزها عن فهم وتيرة سير الأحداث في الواقع، معتبرا ان الخطاب الديني السائد لا يستحضر مقتضيات المرحلة التاريخية بما فيها من تحولات كبرى كأن عقارب الساعة الحضارية متوقفة. وأضاف النيفر ان المشكلة الأساسية لا تكمن في “كفاءة” المتكلم من عدمها بل في الخطاب الديني الذي يعيش أزمة. ومن مقومات اصلاحه ثلاث عناصر، اولاها تجاوز المخاوف الحضارية التي تنتج التقوقع عن الذات وثانيها ضرورة التعدد حتى داخل المنظومة الدينية الواحدة لأن الاحادية من مقتضيات لحظة دفاعية، وثالثها التمكن من المعارف الاجتماعية اضافة للعلوم الشرعية. وختم النيفر مداخلته بالتشديد على “فاعلية الذات” وضرورة ان يستحضر الاعلام الديني هذه المقومات الثلاث.

قدم الاستاذ كمال بن يونس (مدير عام اذاعة الزيتونة) في مداخلته 3 اجابات ممكنة عن سؤال هل يمكن للإعلام الديني الوقاية من الغلو والتشدد وهي لا ونعم ونعم لكن. وفصل في كل واحدة: أما لا فلأن الاسباب العميقة للتطرف هي أساسا التطرف في فهم مفهوم الجهاد ونصوص التكفير الذي يتغذى مما عاشته المنطقة وتعيشه من حروب وفقر وأمية وضرب في ذلك مثال العراق التي تعيش حروبا منذ بداية الثمانينات وهو ما خلق جيلا كاملا يسير نحو التطرف، معتبرا الحل ليس فكريا او تعليميا وإنما بالأساس مرتبطا بالظروف المحيطة التي تدفع الى التشدد مثل تجربة سيد قطب الذي تطورت تجربته من الانفتاح الى التشدد او الجماعات التي تشددت بفعل السجون والقمع بما فيها تجربة الاتجاه الاسلامي على حد قوله. أما نعم يمكن للإعلام الديني التوقي من التطرف إذا توفرت فيه الشروط المعرفية والمهنية والتشخيص العميق للأزمة والتمكن من مختلف الاشكال الصحفية. أما نعم ولكن فقد ارجع الاستاذ بن يونس استدراكه الى ضرورة انتقال الاعلام الديني الى وضع جديد انتاجا واعدادا وتقديما حيث ان الاغلبية الساحقة من برامج الأعلام الديني لا يؤثثها اعلاميون بل دعاة ووعاظ ولا تتناول مواضيعها تاريخ الافكار وعلم الاصول واسباب النزول وتاريخ الثقافة الاسلامية. وقارن بن يونس بين مدرسة المقاصد مع الشاطبي وبن عاشور وبين مدرسة الخطيب الداعية المتحمس حسب ما أوتي من فهم.

كما طرح الأستاذ بن يونس جملة من الإشكاليات المتعلقة بالإعلام الديني بين الموجود والمنشود مؤكدا على ضرورة التمييز بين الإعلام الديني وبين وسائل الإعلام الدينية الموظفة سياسيا متسائلا هل يجب أن تكون أولوية الإعلام الديني فكرية معرفية أم عقائدية تربوية وهل الأولوية للوعاظ والدعاة أم للمفكرين والعلماء وهل واكب الإعلام الديني الثورة الرقمية ومواقع التسويق الجديد وهل يمكن التوقي من التشدد قبل تجديد الفكر والخطاب الديني. وختم الأستاذ بن يونس مداخلته بالإشارة إلى فجوات يجب تداركها من قبيل تدارك غياب الإعلام الديني في الإعلام الجديد وتدارك النقص في التكوين والتدريب وهيئات التحرير المختصة

.

أشار الأستاذ إبراهيم الشايبي (أستاذ بالمعهد الأعلى للحضارة وإعلامي) إلى تشوش المشهد الإعلامي الديني وانعكاسه سلبا على المتلقين رغم ما يقع على عاتقه من مهام ثقيلة تتجاوز نشر الوعي الديني العام لتؤسس مشروعا إصلاحيا. وأشار الأستاذ إبراهيم إلى وجود نمطين من الرؤى كلاهما في طرف الأول متحامل على الإعلام الديني والثاني يروج للخطاب الرسمي وفق رؤية تمجيدية تتعامل مع الدين كبضاعة تستدر الإشهار ونسب المشاهدة. وتساءل عن نجاعة الإعلام الديني في علاج التطرف وقدرتها على استقطاب المشاهدين منتقدا الطابع الفلكلوري لبعض البرامج خلال المناسبات الدينية والجينيريك الحزين والديكور الباهت المرافق للبرامج الدينية والمجال الزمني غير الملائم المخصص لها والخطب الجمعية القديمة داعيا إلى قراءة حية للسيرة وعدم تكرار البرامج واجتهاد المعدين والمقدمين. وأكد الشايبي على إعادة النظر في التوجهات الإعلامية على قاعدة النقد الذاتي. وختم مداخلته باقتراح التزام البرامج الدينية بالأصول الإسلامية ومناصرة الثوابت الوطنية والعمل على برامج دينية للأطفال وتطوير الحس النقدي وأرشفة البرامج والاعتماد على خطط علمية وان لا تكون الغاية في ذلك إرضاء الحكام.

في المداخلة الأخيرة أشار هيثم الإمام (إعلامي بقناة الزيتونة) إلى النمطية والتلقين والتكرار في الإعلام الديني معتبرا تجربته في الزيتونة تجربة رائدة لم تحظ بالاهتمام من خلال برامج “رتاج من الجرأة” و”كيف أحسن إليك يا تونس” و”يسألونك عن التطرف قل” و”تونسي ونص” داعيا أن يلعب الإعلام الديني دوره في التوقي من التطرف عبر بناء المواطنة الفعالة.
وأكد هيثم على ضرورة أن يحظى الإعلام الديني بالتمويلات اللازمة وان يتمكن المقدمون من برامج تدريب وتكوين وان يقع الاعتماد على الخبراء والمختصين وان يتجرأ على طرح قضايا الناس.

في النقاش تنوعت المداخلات وطرح الحضور موضوعات العلاقة بين الإعلام الديني وسائر مجالات الإعلام الأخرى وإشكالية التمويل والتدريب وواقع التخصص في الإعلام الديني في كلية الصحافة وعلوم الإخبار واقترح بعضهم تكوين محفظة عناوين لقادة الرأي والمكونين والأيقونات الإعلامية الشابة للتشبيك وتساءل آخرون عن المقصود من الإعلام الديني هل هو إعلام العقائد والعبادات أم هو الإعلام بأشكاله المختلفة ذات الخلفية الدينية

في الردود اشاد كمال بن يونس بالدور الريادي الذي لعبه الاعلام الديني بمعناه الواسع من المنابر الى الجرائد والاذاعات في مقاومة الاستعمار والتغريب وفي قيادة الحركة الوطنية. ودعا الى ثنائية البيان والبرهان من أجل تطوير الخطاب والاداء. وأشار هيثم الامام إلى الفكر المنغلق السائد في خطاب الاعلام الديني مشددا على حاجة الناس وحاجة المؤمنين إلى برامج غير قائمة على التلقين بل على المشاركة والتجديد في الرؤية والخطاب والاداء. أما ابراهيم الشايبي فقد حذر من محاولات تشويه الدين والاعلام الديني عبر الترويج لأشخاص غير مختصين واكد على الاختصاص والمعرفة باعتبارهما من شروط الخوض في قضايا الدين. ودعا كلية الصحافة وعلوم الاخبار والصحافيين الى المشاركة في الموضوع. اما احميده النيفر فقد قدم نماذج مقارنة لعلاقة الدين والمؤسسات الدينية بالحياة وبالفنون داعيا الى التفكير فيها. كما اعاد ابراز فكرة الوعي المفوت الطاغي على الفكر الديني بما يجعلنا لا نواكب زماننا.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تقرير – ندوة : الفكر الاسلامي التنويري و تحديات العصر

نظّم مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة بالتعاون مع الرابطة العربية للتربويين التنويريين  ندوة بعنوان الفكر الإسلامي ...