الجامعة الصيفيّة بعنوان: قيم الاعتدال والتّسامح في مواجهة العنف والتطرّف

نظّم مركز دراسة الإسلام والديمقراطية جامعة صيفية شبابيّة بعنوان قيم الاعتدال والتسامح في مواجهة العنف والتطرّف: من التكوين إلى التّحسيس  أيام 14 و15 و16 و17 و18 جويلية 2018 بنزل اللايكو بالحمامات، في إطار تنفيذ مشروع “اليد في اليد” لمقاومة التطرّف والإرهاب. ضمّ هذا الملتقى عددا هامّا من الأئمّة الخطباء و الشباب النّاشط بالمجتمع المدني الّذين بلغ عددهم 90 مشاركا، من 6 ولايات وهي بنزرت، تونس الكبرى، القيروان، القصرين، صفاقس ومدنين. بالإضافة إلى حضور شخصيات وطنية  من بينها العميد شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد، السيد منير التليلي وزير الشؤون الدّينيّة الأسبق،  وأساتذة جامعيين وخبراء في علم الاجتماع و في علم النفس.

 

 

الافتتاح:

انطلقت أشغال الجامعة الصيفيّة يوم السبت 14 جويلية بجلسة افتتاحية  قام خلالها الدّكتور رضوان المصمودي بإلقاء الكلمة الترحيبيّة، شدّد خلالها على سعي مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة إلى تفعيل دور الفاعلين الدّينيين عموما والأئمّة خصوصا في التصدّي للعديد من الظّواهر كالتطرّف والإرهاب والفساد وغيرها من الظواهر الخطيرة التي تُهدّد سلامة المجتمع التونسي ووحدته، من خلال توعية الفاعلين الدّينيين المحلّيين بمخاطرها ونشر القيم الإسلاميّة كاحترام الآخر والتسامح والاعتدال ونبذ العنف ومحاولة التّأسيس لخطاب ديني معتدل ومقنع قادر على التصدّي لمظاهر التطرف والإرهاب. كما نوّه بأهمّية دور الشباب وضرورة تشريكهم في كلّ الفعّاليات من أجل خلق جسور الحوار وتطوير سُبل التواصل بين الشباب والكهول  لتكوين مجتمع تونسي واع ومستقبل أفضل. أكّد السيد المصمودي على أنّ المركز درّب أكثر من 400 إمام خلال سنة 2017 في 5 ولايات على العديد من المهارات والآليّات والمقاصد في مجال التربية على المواطنة وفضّ النزاعات وإدارة الاختلافات والتواصل. وفي الأخير، دعا الحضور إلى التركيز والتخطيط سويّة على الحملة التحسيسيّة للمشروع التي ستُنفّذ خلال الشّهرين القادمين من أجل إفادة الجميع بأهداف المشروع التي تقوم على المقاصد التالية. أوّلا، تعزيز دور الفاعلين الدّينين المحليّين في التّصدي لظاهرة التّطرّف العنيف وتكوينهم على مستوى التّواصل وحلّ النّزاعات والتربية على المواطنة. ثانيا، مواجهة خطاب التّطرف العنيف من خلال تطوير ونشر فكر إسلاميّ معاصر معتدل ومقنع. ثالثا، توعية المجموعة الوطنية وخاصّة الشباب والعائلات من تهديدات ومخاطر التّطرّف العنيف وتمكينها من التّعرف على المقدّمات السّلوكيّة للتطرّف.

فيديو اليوم الإفتتاحي ( الجزء الأول ) : 

كما عبّر السيد محمد بن علي الممثّل عن وزارة الشؤون الدّينيّة عن دور الوزارة في دعم مشروع اليد في اليد و عن رضاها عن شراكتها مع مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة منذ سنة 2014. كما تعرّض إلى ثقل الأئمّة والوعّاظ والواعظات ودورهم الاستراتيجي في توعية المجتمع وتطوير الخطاب الدّيني ومعاضدة مجهود الدّولة في التصدّي للتطرّف والإرهاب.

وتلى كلمة الافتتاح، تقديم الوجيز التوجيهي من قبل كلّ من الدّكتور احميده النيفر رئيس الهيأة التوجيهيّة والدّكتور محمد الشتيوي مدير مركز البحوث والدّراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة. أشار السيد النيفر على أنّ الوجيز التوجيهي سلّط الضّوء على معالجة مختلفة لظاهرة التطرّف والإرهاب من خلال إرساء خطاب ديني يتماشى مع التقاليد والأعراف الوطنيّة. كما شدّد على ضرورة أن يتوفر للإمام الخطيب والواعظ من العلوم الشرعية والمعرفة التراثية، ممّا يمكّنه من تنزيل معارفه على الواقع الّذي يعيشه المسلمون. وأشار السيد الشتيوي إلى أنّه شارك في هذا العمل التأسيسي كفاءاتٌ فكرية متميزة في العلوم الشرعية والإنسانية والاجتماعية والنفسية إلى جانب خبراء وفاعلين رسميين ومباشرين عاملين في مجال الخطابة والدعوة والتربية دعمتها طاقات شبابية ترصد الواقع وتقيمه وهي جميعها متفقة على أولوية وضع معالم الرؤية النظرية والعلمية لها من أجل تطوّر نوعي للخطاب الديني البديل. وفي هذا الإطار، اتّفق السيد النيفر والسيد الشتيوي على أنّ الوجيز التوجيهي يعمل على تشجيع الفاعل الدّيني على الاجتهاد والارتقاء من خلال تقديم ثقافة دينيّة شاملة تمكّنه من التوصّل إلى إرساء خطاب ديني بديل ذا بعد مضموني وذا بعد أسلوبي.

فيديو اليوم الإفتتاحي ( الجزء الثاني ) :

التدريب والتكوين:

ومنذ اليوم الثالث، تمّ تقسيم المشاركين إلى أربعة مجموعات حيث تلقّت مجموعتين تدريبا، على مدار يومين حول المحاور التّالية: إدارة الاختلافات وفضّ النّزاعات مع المدرّب سامي بلحاج والمناصرة مع المدّرب صابر الجماعي. كما تلقّت مجموعتين تدريبا بيوم واحد حول الخطابة والتواصل مع المدرّبة عواطف نابليّة وتقنيات استخدام مواقع التّواصل الاجتماعي مع المدرّبة صبري الدريدي.

 

  1. الدّورة التّدريبيّة حول فضّ النّزاعات وإدارة الاختلاف:

انقسمت الدّورة التّدريبيّة التي استغرقت يومين إلى قسمين. يدور القسم الأول حول مدخل لفهم ظاهرة النّزاع وطرق التّعامل معه. أمّا القسم الثّاني فهو يقوم على التّيسير مع إبراز أهمّيته وآلياته ليكون الحوار المجتمعي دعامة أساسيّة ضدّ التطرّف والعنف.

تهدف الدورات التّدريبيّة لإدارة الاختلافات إلى زيادة الوعي تجاه أهمية فهم و تحليل و فض النزاع من منظور المجتمع المدني من خلال الحوار والنقاش الهادف والبناء و ترسيخ مفاهيم بناء التوافق في أذهان المشاركين وذلك من أجل تكوين جيل يؤمن بالتعايش السلمي و الحوار كإستراتيجية للبناء الجماعي و الوقاية من مختلف التهديدات.

  1. الدّورة التدريبيّة حول الخطابة والتواصل:

شملت الدورة التدريبية حول الخطابة والتواصل التي استغرقت يوما واحدا المحاور التالية. أوّلها مفهوم التواصل ومكونات العملية التواصلية. ثانيها مفهوم الخطابة. ثالثها عناصر الخطبة الناجحة ورابعها الإلقاء.

تهدف الدورة التدريبية على الخطابة والتواصل إلى تمكين الفاعل الدّيني من الجنوح إلى الوضوح الّذي يبيّن قصد الخطيب من خطبته. كما تساعد الخطابة على الإقناع بالدّليل واستخدام الحجة الواضحة ممّا يساعد على تفكيك مرتكزات الخطاب العنيف وترويج خطاب بديل وذل بالاعتماد على المقاربات العلمية والمهارات الإلقائية.

  1. الدّورة التدريبيّة حول حملات المناصرة:

استغرقت الدورة التدريبية حول حملات المناصرة يومين كاملين. حيث تطرّق المكوّن إلى المحاور التالية. أوّلا، مفهوم المناصرة. ثانيا، التخطيط الاستراتيجي للمناصرة. ثالثا، تحديد عناصر المناصرة. رابعا، المناصرة و العلاقات. خامسا، المتابعة و التقييم. اهتمت الورشة التدريبية المتعلقة بحملات المناصرة بتقديم أسسها و مراحلها. إذ تعتبر المناصرة عملية المساندة والتأييد لقضية ما لإجراء تغيير لواقع معين.

تهدف الدورة التدريبية على المناصرة إلى اكتساب معرفة أعمق وفهم أفضل للمناصرة و كيفية إدارتها. وذلك من خلال التعرف على العناصر الأساسيةٌ للمناصرة وفهم  الخطوات الاستراتيجية لها وأنواع العلاقات مع مختلف المتداخلين مثل التشبيك والتحالف لتبادل الخبرات والعمل المشترك.

  1. الدّورة التدريبيّة حول استعمال وسائل التواصل الاجتماعي:

 

ارتكز التّدريب على التّعريف بالتكنولوجيا وكيفيّة التّغطية الإعلاميّة على مواقع التواصل الاجتماعى مثل إنستغرام، تويتر، فايسبوك ويوتيوب  وإبراز أهمية تسويق المحتوى وتأثيره على المتلقّين.

كما تمّ عرض كيفية إنشاء فكرة مختلفة عن المحتوى العادي لجذب انتباه الجمهور، والتّفكير فعليّا فى تغيير طريقة العمل على الخطب الجمعيّة  وكيف يمكن لوسائل التّواصل  الاجتماعي تعزيز نشر الخطاب الدّيني الجديد وخاصّة من خلال استخدام  الفايسبوك.

تهدف الدّورة التّدريبيّة المتعلّقة بتقنيات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي الموجّهة بالأساس إلى الأئمّة إلى تحسيسهم بأهميّة تواصلهم مع جمهورهم من روّاد المساجد على المواقع الافتراضيّة ممّا سيمكّنهم من إيصال رأيهم إلى أكبر قاعدة جماهيريّة ممكنة مع إمكانيّة نقاش مختلف خطب الجمعة التي يمكن أن تتغيّر على حسب طلب المتلقّين. وبالتّالي يكون الأمام قوّة فاعلة على المستوى الدّيني يتفاعل مع العصر الّذي يتواجد فيه من أجل تبليغ خطاب معتدل ومقنع صالح للفترة الحرجة الّتي يمرّ بها العالم من دون استثناء وقادر على التصدّي للأدبيّات الرّاديكاليّة العنيفة.

المحاضرات والحوارات الفكريّة:

  • خلال اليوم الأوّل، انطلقت فعّاليات الدّورة بندوة فكريّة مسائيّة شملت تقديم الدّكتور منير التليلي أستاذ تعليم عال بجامعة الزيتونة لمداخلة بعنوان حقيقة الجهاد في الإسلام. تلاها عرض ونقاش فيلم قصير بعنوان “لا للإرهاب” ثمّ تقديم الدّكتور في علم النفس السيد فتحي التوزري لنشريّة المقدّمات السلوكيّة للتطرّف لدى الشباب.
  • خلال الجلسة الأولى، أشار السيد التليلي إلى إحصائيات الاستمارة التي قامت بها رئاسة الحكومة سنة 2014 في إطار التعاون مع وزارة الشؤون الدّينيّة، فيما يتعلّق بسؤال ماهو رأيك في الجهاد؟ 43% لايرون مكانا للجهاد في عصرنا. 35% يسوّغون الجهاد الدّفاعي ضدّ الاحتلال. 16% لهم قابليّة الاستجابة لدعوة الجهاد لرفع المظالم ويغلب عليهم الرّجال والعنصر الشبابي بصفة خاصّة. 75% من هؤلاء من الوسط الحضري وليس الرّيفي و55% لم يبلغوا المستوى الجامعي. وأكّد السيد التليلي على أنّ مفهوم الجهاد غير واضح في أذهان الجتمع التونسي وذلك يعود إلى تقصير الفاعلين الدّينيين في رفع اللبس عن أركانه وإلى اختلال المنظومة التعليميّة التي لم تفسّر هذا المفهوم بالقدر الكافي شرعا وواقعا. وخلال الجلسة الثانية، تّم عرض فيلم قصير بعنوان “لا للإرهاب”  تلاه تقديم الدّكتور فتحي التوزري لنشريّة المقدّمات السلوكية للتطرف لدى الشباب. وفي البداية،. أكّد على مدى خطورة التطرف و مظاهره و أسبابه منها عدم الانتماء الذاتي كأن يكون الفرد مغتربا داخل وسطه العائلي. فالتطرف ليس مرتبطا بالضرورة بالعوامل الخارجية الاجتماعية كالبطالة مثلا. وفيما يتعلق بالنشرية، تمّ التعرض إلى تعريف ظاهرة التطرف العنيف، ثم خطورتها. بالإضافة إلى مختلف الإشارات السلوكية والهندامية التي يمكن أن يمر بها الفرد ليصل إلى مرحلة التطرف. إذ “يعتبرطريقا متعرجا، جزء منه ظاهر وأغلب أجزاءه تحتية وخفية.

  • وفي صباح اليوم الثاني، تمّ تنظيم ندوة بعنوان: دور الأئمّة في مكافحة الفساد بحضور العميد شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، السيد إبراهيم الميساوي رئيس الجمعيّة التونسية لمكافحة الفساد والسيد محمد الشتيوي مدير مركز البحوث والدّراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة.

شدّد السيد شوقي الطبيب على أنّ الفساد يُعدّ أكبر خطر يهدّد الثورة التونسية وهو أخطر من ظاهرة الإرهاب الذي نواجهه وجها لوجه بالسلاح والعتاد إذ لا يمكن القضاء على الإرهاب ما لم نقض على التهريب والفساد. حيث ركّز خلال مداخلته على منظومة الفساد والبيئة الحاضنة له.ية للتوقف أوالتراجع.توجد دائما إشارات ومنبهات قد  تكون دون القدرة الفعلية لالتقاطها من العائلة أو الهياكل العمومية لتحليلها واستغلالها للتدخل المبكر والفعّال.”

أشار السيد إبراهيم الميساوي إلى قانون حماية المبلّغين عدد 10 لسنة 2017 الذي يضبط إجراءات الإبلاغ عن الفساد وطرق حماية المبلغين لمكافحة الفساد في القطاعين الخاصّ والعامّ، الذي جمع التعاريف الواردة في الاتفاقيات الدولية لمكافحة الفساد والتعاريف الأخرى ممّا جعله شاملا في تحديد مجموعة كبيرة من الجرائم. ابتدأ السيد محمد الشتيوي بأنّ للإمام مسؤولية تقويم نفسه وتوعية محيطه بخطورة الفساد إذ له مسؤولية دينيّة أمام الله ومسؤولية اجتماعيّة أمام المجتمع. حيث أنّ مسؤولية الإسلام في تكوين إنسان صالح لنفسه ومصلح لأهله. فإذا كان الإمام غير كفئ ومتشبّث بمكانه فهو عنصر فاسد وإن كان غير راغب في تطوير نفسه وتنمية قدراته فهو عنصر فاسد. فالإمام يُشترط فيه الخبرة والمعرفة والعدل أي أن يكون أهل ثقة.

فيديو ندوة : دور الأئمّة في مكافحة الفساد

  • وفي مساء اليوم الثالث، تمّت مناظرة علميّة بعنوان الحريات الفردية والمساواة بين المشترك الإنساني وتعاليم الإسلام بين كلّ من السيد صلاح الدين الجورشي عضو لجنة الحريات الفرديّة والمساواة والسيد إلياس دردور رئيس قسم الشريعة والقانون بجامعة الزيتونة.

ابتدأت المناظرة بكلمة السيدة محرزية العبيدي عضو مجلس نواب الشعب واختتمت بمداخلة السيد محمد الشتيوي مدير مركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة. وقد دارت المناظرة حول المحاور الثلاث التالية. أوّلها تطوير نظام الأسرة. ثانيها، مفهوم الأخلاق الحميدة في الفضاء العامّ وثالثها المساواة في الميراث. شكرت السيدة محرزية العبيدي رئيس مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة السيد رضوان المصمودي على تنظيمه لمثل هاته الفعاليات والندوات الهامّة التي اعتبرتها “فضاء يُبنى فيه المشترك”. أشار السيد صلاح الدين الجورشي إلى أنّ تقرير اللجنة يُعدّ محاولة لتعزيز الحريات الفرديّة للسعي إلى الفصل بين الشأن العامّ والشأن الخاصّ ولإعادة الاعتبار للفرد الذي ظل مهمّشا، حيث أنّ المجتمعات العربية والمسلمة تعيش لقرون طويلة سياقا تاريخيا وثقافيا واجتماعيا لا يحترم خصوصية الأفراد. أكّد السيد إلياس دردور على أنّ التقرير انقسم إلى مقدّمة وجزئين. احتوت المقدّمة على مسألة الحريات ومسألة المساواة التي اعتبرها ضربا للفطرة الإنسانيّة ومحاولة استغلال النصّ الشرعي لإلغاء النص الشرعي وضربه.

وفي نهاية الندوة، شكر السيد محمد الشتيوي مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة على تنظيم المناظرة ممّا أتاح الفرصة إلى الحوار الذي اعتبره “تاريخيا”. وأشار إلى أنّه من دور لجنة الحريات إعطاء الرأي الآخر حرية النقد وعدم التعجب من ردّ فعل الآخرين. وتساءل قائلا إلى أيّ مدى وفّقت اللجنة في تجنّب التعرّض بين المبادئ المضمّنة في التقرير ومبادئ الدستور ومبادئ الدّين؟

فيديو المناظرة العلميّة: الحريات الفردية والمساواة بين المشترك الإنساني وتعاليم الإسلام


فنّ الخطابة:

ركّز المركز خلال الجامعة الصيفية لسنة 2018 على محور فنّ الخطابة من أجل تعزيز دور الفاعلين الدّينيين عموما والأئمّة خصوصا في التصدي لظاهرة التطرف العنيف باعتماد مقاربات وخطاب يفكّك استراتيجيات الخطاب العنيف وذلك بتدعيم فكر إسلامي أصيل متجدّد. في مرحلة أولى، تمّ تقديم دليل الخطب النموذجيّة من قبل الدّكتور احميده النيفر والدّكتور محمد الشتيوي  عضوي الهيئة التوجيهية، الذي يهدف إلى تمكين الإمام من الوسائل والآليّات التي تمكّنه من التحرّر من مضايق التقليد وتطوير نوعيّ للخطاب الدّيني البديل.

وتلا ذلك عرض درس عناصر الخطبة الناجحة الذي قدّماه كلّ من المدرّبة عواطف نابليّة والسيد محمد بن علي. بيّن الدّرس الخطوات التي يجب اتّباعها لبناء خطبة ناجحة. أوّلا، من الضروريّ الإعداد الجيّد قبل الكلام، ممّا يمكّن صاحب الخطاب من التّكلّم بثقة ووضوح، فيتحكم بذلك في الوقت، ويحسن التّدرج من عنصر إلى آخر، ويراعي نوعيّة المخاطبين، ويدرك ما هم في حاجة إليه في ذلك الظّرف بالذات. في حين أنّ ارتجال الخطاب مهارة لا يقدر عليها إلّا قلّة من أصحاب الخبرة، وحتّى هؤلاء يحتاجون إلى إعداد مسبق في مواقع الخطاب ذات الأهمّيّة الكبرى. ثانيا، بناء خطبة متكاملة ومفهومة. يمرّ البناء بمراحل ثلاث وهم الإيجاد أي القدرة على بلورة الأفكار والترتيب والتعبير شفويّا أو كتابيّا. ثالثا: الإلمام بالتّوجيهات الأساسيّة لإنجاح التّحدث أمام الجمهور، كالإلمام بجوانب الموضوع، البشاشة والانبساط،  التّدرّب على التّخلّص من الورقة قدر الإمكان، إعداد مقدّمة تشدّ الانتباه، التّمرّن المتواصل للسّيطرة على الرّهبة، وضوح النّطق في الكلمات (الإبانة)، المراوحة بين التّخفيض والتّرفيع في الصّوت حسب السّياق، حسن الهندام، توزيع النّظر، عدم الإطناب في تفريع الأفكار والوقار .

عرض درس عناصر الخطبة الناجحة

وفي مرحة ثالثة، تمّ عرض 10 خطب نموذجية من قبل الأئمّة المشاركين في الدّورة ومن ثمّ تقييمهم من قبل لجنة التحكيم التي ضمت الدكتور احميده النيفر، الدكتور محمد الشتيوي، السيد محمد بن علي والسيدة عواطف نابليّة. وقد تمّ تقديم المنهجيّة والتوجيهات لكلّ متبار حيث حصلت الفائدة لكلّ المشاركين من أئمّة وشباب.

دارت الخطب حول المواضيع التالية. مرتكزات الخطاب العنيف، حرية المعتقد والضمير، التمدّن الإسلامي، الخطاب المسجدي، حقيقة الجهاد في الإسلام، اللاعنف في الإسلام، الأقليات في الإسلام، مكانة المرأة في الإسلام، آداب الاختلاف ودور التربية والتعليم في دحض التطرّف. كما تمّت برمجة جوائز ماليّة للرابحين الثلاثة الأوائل ستُقدّم خلال حفل الاختتام.

فيديو الخطب النموذجية العشرة 

وفي اليوم الرابع، نظّم المركز ندوة مسائيّة بعنوان تطوير خطب الجمعة. أثّثها الدّكتور احميده النيفر رئيس الهيأة التوجيهيّة، السيد علي المخلبي أستاذ جامعي بجامعة جندوبة والسيد رضا كزدغلي خبير في الإعلام والاتّصال.

تعرض السيد احميده النيفر إلى معطيات أساسية تتعلق بالخطيب. أوّلا، نوّه بأهمية الطّريقة التي ينظر بها المسلمون إلى العالم أي من أي أفق يصدر الخطيب؟ ثانيا، أهمية السند العلمي للخطيب من أجل التسويق لخطابه وذلك بعد استيعابه لمجموعة من القضايا. ثالثا، الاعتزاز الواعي للخطيب أي يجب أي يكون واعيا وفي نفس الوقت معتزا بانتمائه الحضاري ليكون خطابه مجديا. رابعا، أهمية التركيز في إعداد كل تفاصيل الخطاب. خامسا، المعاصرة أي تنزيل المعلومات والأحداث في نوع من السردية الجديدة. وإن لم تحصل المعاصرة سيبقى الكلام نظريا دون تأثير حقيقي. كما اقترح السيد النيفر ضرورة إحداث مدرسة الخطباء والوعاظ  لكي لا يظلّ الفعل الخطابي محدودا. إذ أكّد على تحلي المؤسسة الدّينيّة بفكر مؤسّسي حتّى يستطيع الأفراد الخروج من عنق الزجاجة ويصبح هناك خطاب مسجدي حقيقي ونوعي.

 

سلّط السيد علي المخلبي الضّوء على كيفيّة بناء الخطبة والإقناع. إذ تمرّ الخطبة بالإيجاد والترتيب والتعبير شفويا كان أو كتابيا. أوّلا، يعتبرالإيجاد القدرة على بلورة الأفكار بشأن موضوع(أمثلة، حجج…). كما يتعلّق الإيجاد بما لنا من طاقة خلاّقة، ومن ثقافة واسعة واستيعاب دقيق لمهمّتنا ولما نريد قوله. وترتبط شروط الإيجاد بمتلقي الخطبة  وبمناسبتها وبمقامها. كما أشار السيد المخلبي على أهمية الحجاج. وتكمن قيمة الحجاج في قدرة صاحبه على بنائه وترتيب براهينه وفق الغاية التي يريد الوصول إليها. وعمليّة بناء الحجاج تسمّى مسارا حجاجيّا وهي ثلاثة أنواع على الأقلّ المسار الاستقرائي والمسار التفسيري والمسار الاستنتاجي. ثانيا، الترتيب يعني اختيار الأطروحة ممّا يجعل الخطبة كلّا متماسكا. ويُنتج الخطيب خطبة تقوم على الحجاج، ولذلك فعليه أن يرتّب مختلف عناصر كلامه ترتيبا يحقّق هدف الخطبة. كما ينسّق الترتيب الأفكار التي جمعتها مرحلة الإيجاد ويُظهر الارتباط فيما بينها. ثالثا، التعبير هو المرحلة الأخيرة من عمليّة بناء الخطبة وهو أهمّ المراحل إذ يتمّ فيها الإنجاز، ويستعين الخطيب في أداء خطبته بالنّبرات والحركات والإيماءات ونحو ذلك. ونهتمّ هنا بما يتعلّق بالخطبة وبما يتعلّق بالخطيب. فيما تعلّق بالخطبة، على الخطيب أن يكون في خطبته فصيحا وإلا فإنّه سيجد عناء كبيرا في تحقيق أهداف خطبته. وتشمل الفصاحة الكلمة والجملة والنصّ. وفيما ما تعلّق بالخطيب، عليه أن يكون حسن السّمت في غير مبالغة، قريبا من الناس في مظهره في غير ابتذال. وأهمّ ما يؤثّر في بلاغ الخطيب صفات تتعلّق بصوته، وأخرى بلغته، وثالثة بثوبه.

أكّد السيد رضا الكزدغلي على أنّ خطبة الجمعة تُعدّ عملية تواصليّة بالأساس. وأشار إلى أنّه على الإمام اعتماد 4 أشياء وهي جذب الانتباه، خلق الاهتمام وخلق الرغبة في القضايا المطروحة ثم الدعوة إلى الفعل. ومن النصائح التي قدمها للإمام لتحقيق نجاح خطبته، هو التأهيل التواصلي الذّاتي، التواصل البينيّ مع الآخر والتأهيل القيادي. وقد دعا السيد الكزدغلي إلى ضرورة تكوين الأئمّة وتطوير قدراتهم على المستويات التالية. تقبل نفسه والتحكم في إدارة طاقته. وأكّد على أنّ الأئمة هي قادة رأي لذلك يجب الوعي بالدور الذين هم مطالبون به.

 

خطّة الحملة التحسيسيّة:

وفي اليوم الأخير، تم  تشكيل مجموعات للعمل في إطار ورشات، لصياغة مقترحات خطط للحملة التحسيسيّة سيعمل المركز على تنفيذها خلال الشهرين القادمين. وقدّمت كلّ مجموعة مختلف الأنشطة، المكان، الحيز الزمني، التكلفة والهدف من النشاط. ومن بين الأنشطة المطروحة ما يلي. تعهّدت مجموعة تونس الكبرى في كل من أريانة وتونس ومنوبة على توزيع المطويات التوعوية في الأماكن العامّة بالإضافة إلى القيام بحوارات مع الشباب. وتعهّدت مجموعة القيروان بالقيام بحصص إذاعيّة تحسيسيّة تُبثّ فيها مواضيع المطويات من أجل نشر خطاب معاصر ومقنع. كما ركّزت مجموعة صفاقس على التعامل المباشر مع الفئات المستهدفة من الشباب مثل القيام بحلقات توعوية بحضور أخصائية نفسيّة وتحديد كيفية تعامل الأسرة وخاصّة الأمهات مع سلوك الشباب غير العادي. سلّطت مجموعة القصرين الضّوء على تقديم الدروس المسجدية والعروض المسرحيّة للتمكن من تحقيق التحسيس المباشر لكل الفئات. تعهّدت مجموعة بنزرت ببعث صفحة فايسبوك من أجل الوصول إلى أكبر عدد من التونسيين وتحسيسهم بمخاطر التطرف والتأكّد من انخراط الأئمة المحليين وإحداث حراك مجتمعي. أمّا مجموعة بنقردان فستنطلق بإطلاق اجتماعات تحضيرية مع الأئمة في أربع معتمديات من ولاية بنقردان وذلك لتحضير فريق موحّد للحملة يشمل مختلف الفاعلين الدّينيين بالجهة.

 

الاختتام:

خلال الجلسة الاختتاميّة، قدّم السيد خالد شوكات قيادي في حركة نداء تونس مداخلة بعنوان الإسلام الحضاري ودوره في بناء الإنسان والأمّة. بداية، أشار إلى أنّه منذ القديم، يعالج المسلمون مشاكل عصرهم بالاعتماد على القرآن الكريم والسنة المحمديّة بالإضافة إلى الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية الملائمة لمجتمعاتهم من اجل التقدّم بالأمّة. لذلك فالمسلمون اليوم مطالبون بالإسهام في هذا المجهود ” لتأثيث ركن في بيت الإنسانيّة وليكون الإسلام إسلاما حضاريّا ” على حدّ تعبيره. وشدّد السيد شوكات على أنّ دعوة السّلوك مهمّة جدّا في بلوغ الإسلام الحضاري ونشره في العالم. إذ يجب على المسلمين التحلي بمبادئ الإسلام في السّلوك اليومي والمساهمة في بناء مدن نظيفة ومجتمع منظّم وجعل المسلمين على اختلاف انتماءاتهم أناسا منظّمين يحترمون بعضهم البعض وذلك مثلما سعى إليه بُناة الحضارة الإسلاميّة الأوائل. وفي الأخير، دعا السيد شوكات الأئمة إلى دعوة الناس إلى الالتزام بالإسلام في سلوكهم اليومي وفي أعمالهم ليكون المسلمون قدوة لبعضهم البعض في العمل والعلم والأخلاق.

كما قدّم السيّد هارشا سيرور المستشار السياسي لسفيرة الكندا بتونس كلمته معبّرا من خلالها عن سروره بتواجده في الجامعة الصيفية لهذه السنة. كما عبّر عن رضا السفارة الكنديّة بما يقدّمه مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة من أنشطة ومساهمته الهامّة في التصدّي لظاهرة التطرف العنيف سواء من خلال برنامج “اليد في اليد” الممول من الحكومة الكنديّة أو من خلال برامج أخرى. كما ثمّن جهود وزارة الشؤون الدّينيّة في إنجاح مشروع اليد في اليد كشريك وطني للمركز من خلال دعمها للأئمّة والوعاظ وتشجيعهم على المشاركة في أنشطة “اليد في اليد”.

وفي الأخير، شكر السيد محمد بن علي الممثل عن وزارة الشؤون الدّينيّة الحكومة والسفارة الكنديّة بتونس، عن دعمها لبرنامج “اليد في اليد” ولجهود الدولة التونسية في التصدّي لظاهرة التطرّف العنيف. كما تقدّم بعبارات الشكر لوزارة الشؤون الدّينية والأئمة والوعاظ والواعظات على حسن مساهمتهم في المشروع. وأخصّ بالشكر الفريق العامل بمركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة من موظفين ومدرّبين وخبراء، وعلى رأسه الدكتور رضوان المصمودي.  ودعا الحضور من أئمة وشباب إلى تفعيل ما تلقّوه من مهارات وآليّات خلال التدريب وحلقات النقاش  ونشر القيم كالتسامح والاعتدال واحترام الآخر ونبذ العنف.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تقرير – محاضرة بعنوان: فرادة التّجربة الدّيمقراطيّة التّونسيّة

محاضرة بعنوان فرادة التّجربة الدّيمقراطيّة التّونسيّة يلقيها الدّكتور صفوان المصري نائب رئيس جامعة كولومبيا التنفيذي ...